لا تكشف سنوات الرخاء عن الطبيعة الحقيقية للاقتصادات؛ فالأزمات وحدها تُظهر كيف تتصرف المؤسسات عند تغير الظروف بصورة مفاجئة، ويُقصد بالسلوك الاقتصادي هنا الطريقة التي تستجيب بها المؤسسات والسياسات والأسواق للصدمات بما يحافظ على استقرار النشاط الاقتصادي واستمراره.
ومن هذا المنطلق، تقدم التجربة السعودية في 2026 نموذجاً يستحق التأمل، لأنها تكشف أن المرونة لم تعد مجرد نتيجة للأحداث، بل أصبحت أصلاً اقتصادياً يُبنى ويُراكم على مدى السنوات.
ليست المشكلة في أن يتباطأ الاقتصاد، بل في الكيفية التي يتصرف بها عندما يتباطأ، فغالباً لا تظهر الأرقام الاقتصادية تراجعاً في القدرة، بقدر ما تكشف عن قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الجيوسياسية والحفاظ على توازنه الكلي.
ويظهر هذا السلوك بوضوح في التعامل مع اضطرابات حركة الملاحة في مضيق هرمز، فبدلاً من أن تتحول الأزمة إلى قيد على صادرات الطاقة، مكّنت الاستثمارات طويلة الأجل في خط أنابيب شرق-غرب وموانئ البحر الأحمر من إعادة توجيه جزء كبير من تدفقات النفط، وهنا يتضح أن الاستثمار في البنية التحتية لم يكن مجرد توسع في الأصول الإنتاجية، بل أصبح أصلاً يعزز المرونة ويحد من تكلفة الصدمات المستقبلية.
السلوك الاقتصادي لا يظهر أولاً في معدلات النمو، بل في قدرة المنظومة المالية والنقدية على امتصاص الصدمات دون أن تفقد الأسواق ثقتها أو يتراجع تدفق الائتمان، فقد بلغ صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي نحو 488 مليار دولار بنهاية مايو 2026، أي ما يعادل نحو 14 شهراً من الواردات، بما يعزز الثقة في ربط الريال بالدولار.
وسجل القطاع المصرفي معدل كفاية رأسمالية إجمالية بلغ 20.5% و18.8% للشريحة الأولى، بينما انخفضت نسبة القروض المتعثرة إلى 1.0%، وهي الأدنى منذ 2009، وفي كثير من الاقتصادات المصدرة للموارد تؤدي الصدمات الجيوسياسية إلى تشديد شروط التمويل أو تراجع الائتمان، وفي المقابل، تشير المؤشرات في الاقتصاد السعودي إلى استمرار قدرة النظام المالي على تمويل النشاط الاقتصادي.
أما المالية العامة فقد واصلت تعزيز هذه المرونة من خلال تحسن العجز الأولي غير النفطي من 24.5% من الناتج غير النفطي في عام 2024 إلى 23.3% في عام 2025، مع تجاوز إصدارات السندات 60 مليار دولار خلال عام 2025، لترتفع حصة المملكة إلى 5.1% وتصبح أكبر مكوّن في مؤشر جي بي مورجان EMBI العالمي المتنوع، وهذه المصدات المالية والنقدية ليست مجرد أرقام اطمئنان، بل أصول للمرونة تُستخدم عند الحاجة دون الاضطرار إلى سياسات انكماشية حادة.
ولا يقتصر الأمر على المؤشرات الكلية، فالإصلاحات الهيكلية في إطار رؤية السعودية 2030 بدأت تترجم إلى نتائج أعمق تؤثر في إنتاجية الاقتصاد ومرونة سوق العمل وكفاءة تخصيص الموارد. ارتفع معدل تملك المساكن إلى 66%، بينما تراجع معدل الفصل في القضايا التجارية من 61 يوماً إلى 41 يوماً، وتشير هذه التحولات، إلى جانب اتساع النشاط في قطاعات متعددة، إلى أن الإصلاحات باتت تعيد تشكيل قاعدة العرض في الاقتصاد، وهو ما يصعب قياسه من خلال معدل النمو وحده.
وتكشف هذه العناصر مجتمعة أن الاقتصاد السعودي لم يعد يعتمد على مورد واحد أو محرك واحد، بل يرتكز على منظومة من أصول المرونة: بنية تحتية متنوعة، واحتياطيات أجنبية قوية، وقطاع مصرفي متين، ومالية عامة منضبطة، وإصلاحات مؤسسية مستمرة. وهذا هو جوهر السلوك الذي يميز الاقتصادات القادرة على التكيف؛ إذ لا تُبنى المرونة أثناء الأزمات، بل تُراكم عبر سنوات من الاستثمار في المؤسسات والبنية التحتية والسياسات الرشيدة.
لقد انتقل الاقتصاد السعودي تدريجياً من بناء القدرة على تحقيق النمو إلى بناء القدرة على الحفاظ عليه، فالأزمات لا تصنع الاقتصادات القوية، بل تكشف جودة المؤسسات والأصول التي بُنيت قبلها بسنوات، والاقتصاد الذي يستثمر في الأصول الإستراتيجية التي تعزز المرونة، يقل اعتماده على الحظ عندما تتغير الظروف.
اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.

