تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

حين توقفت آخر نشرة إسبانية في أوريغون.. هكذا قرر صحفي ألا يترك مجتمعه بلا صوت | إعلام

Ahmed Shokre4 دقائق قراءة0 مشاهدة

لم يكن أنطونيو سانشيز يتوقع أن يتحول فقدانه لوظيفته إلى بداية تجربة إعلامية جديدة، أو أن يصبح قبو منزله في مدينة بورتلاند الأمريكية بديلا عن آخر نشرة إخبارية محلية باللغة الإسبانية في ولاية أوريغون. لكن قرار القناة التي عمل بها لسنوات إنهاء نشراتها بالإسبانية دفعه إلى إطلاق مشروع مستقل على يوتيوب، سرعان ما تحول إلى منصة يعتمد عليها عشرات الآلاف من المتابعين أسبوعيا.

وتروي كولومبيا جورناليزم ريفيو (Columbia Journalism Review) أن سانشيز، الذي عمل نحو عقد مقدما رئيسيا للأخبار في قناة يونيفيجن بورتلاند، وجد نفسه بلا عمل في سبتمبر/أيلول 2024، بعدما قررت المحطة إنهاء شراكتها مع شبكة يونيفيجن والتحول إلى بث الأخبار والرياضة باللغة الإنجليزية، لتنتهي بذلك آخر خدمة إخبارية محلية منتظمة بالإسبانية في الولاية.

فراغ إعلامي

لم يكن قرار المحطة مجرد خسارة وظيفة بالنسبة إلى سانشيز، بل ترك فراغا إعلاميا لدى آلاف الناطقين بالإسبانية الذين اعتادوا متابعة الأخبار المحلية بلغتهم.

وبعد أسابيع قليلة، جاء انتخاب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة، لتتزايد رسائل الجمهور إلى الصحفي يسألونه عن مستقبلهم في ظل الإدارة الجديدة، وما إذا كانت حملات الهجرة ستتوسع.

يقول سانشيز إن تلك الرسائل كانت نقطة التحول، إذ شعر بأن الجالية لا تحتاج فقط إلى الأخبار، بل إلى جهة موثوقة تفسر ما يحدث وتجيب عن أسئلتها اليومية.

غرفة أخبار في القبو

قرر الصحفي شراء جهاز تلقين إلكتروني وميكروفون وإضاءة بسيطة عبر الإنترنت، وعزل قبو منزله صوتيا، بينما صمم أحد أصدقائه شعار البرنامج.

بلغت تكلفة المشروع نحو 1500 دولار فقط، وانطلقت أولى الحلقات في يوم تنصيب الرئيس الأمريكي.

ويقول سانشيز إن هدفه لم يكن تقديم محتوى سريع ينافس صناع المحتوى، بل المحافظة على تقاليد النشرات التلفزيونية التي اعتاد الجمهور مشاهدتها؛ فهو لا يزال يرتدي البدلة الرسمية ويجلس خلف مكتب لتقديم الأخبار، لكن بروح أقرب إلى المجتمع الذي يخاطبه.

واختار لبرنامجه اسم “أخبار الشمال الغربي”، مقدما تغطيات تمتد من السياسة المحلية إلى الطقس والجريمة، مستخدما تعبيرات وأمثالا دارجة في اللغة الإسبانية تمنح النشرة طابعا أقرب إلى الحياة اليومية للجمهور.

Professional condenser microphone set up on a desk in a home studio, ready for recording podcasts, voiceovers, or broadcasting with speakers and headphones
انطلقت أولى حلقات أنطونيو سانشيز في يوم تنصيب الرئيس الأميركي (غيتي)

الثقة قبل المشاهدات

لم يستغرق الأمر وقتا طويلا حتى بدأت المنصة تكتسب حضورا واسعا. فاليوم يصل البرنامج إلى نحو 50 ألف مشاهد أسبوعيا، بينما تجاوز عدد المشتركين فيه 10 آلاف.

وجاء أحد أكبر اختبارات التجربة عندما بدأ سانشيز تغطية حملات اعتقال نفذتها سلطات الهجرة الأمريكية، إذ حققت إحدى تغطياته نحو 80 ألف مشاهدة.

وخلال تلك الفترة، لم يكتف بنقل الأخبار، بل تصدى أيضا لمعلومات مضللة تداولها بعض المؤثرين المحليين، بعدما زعموا وقوع مداهمات واسعة نفذتها سلطات الهجرة، بينما أظهرت تحقيقاته أنها كانت عمليات نفذتها الشرطة المحلية في قضايا مخدرات.

ويقول سانشيز إن كثيرا من أفراد الجالية يلجؤون إليه مباشرة لطلب المعلومات، لأن حاجز اللغة يجعل التواصل مع المؤسسات الرسمية أكثر صعوبة، مضيفا أنه يحرص على الرد على الرسائل بنفسه بأسرع وقت ممكن.

صحافة تحدث أثرا

لم يقتصر دور المنصة على التغطية الإخبارية، بل امتد إلى متابعة قضايا إنسانية.

فقد لجأت إليه أسرة كينيا جاكلين ميرلوس، بعدما احتجزتها سلطات الهجرة مع أطفالها وشقيقتها. تابع سانشيز القضية منذ لحظة الاعتقال، واستمر في نشر تطوراتها حتى أفرج عنها بعد أشهر، قبل أن تتناول وسائل إعلام وطنية قصتها لاحقا.

وتقول ميرلوس إنها وثقت بسانشيز بسبب سمعته المهنية واحترامه للأشخاص الذين يغطي قضاياهم، مؤكدة أنه لم يتوقف عن متابعة ملفها حتى انتهى.

نموذج جديد للإعلام المحلي

في البداية، تصور سانشيز أن مشروعه سيكون مؤقتا إلى حين عودة محطة محلية تقدم الأخبار بالإسبانية، لكن ذلك لم يحدث.

ورغم إطلاق محطة تيليموندو بورتلاند لاحقا، فإن نشراتها المحلية لا تتجاوز دقيقتين، بينما تبث من مدينة أخرى، وهو ما أبقى الحاجة قائمة إلى تغطية محلية مستقلة.

ويمول الصحفي مشروعه حاليا من الإعلانات، محققا ما لا يقل عن 3000 دولار شهريا، معظمها من حملات توعية تنفذها مؤسسات حكومية محلية.

ويؤكد أنه لا يقيس نجاحه بعدد المشاهدات، بل بقدرته على خدمة المجتمع، قائلا: “أنا لست مؤثرا، أنا صحفي”.

وتعكس تجربة سانشيز تحولا متزايدا في الإعلام المحلي، حيث لم تعد المنصات الرقمية مجرد مساحة بديلة للنشر، بل أصبحت في بعض الأحيان الوسيلة الوحيدة التي تضمن استمرار الخدمة الإخبارية، عندما تتراجع المؤسسات التقليدية عن تغطية مجتمعات كاملة بسبب اعتبارات اقتصادية أو تحريرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *