
بدأ الجيش اللبناني تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الانتشار في “المناطق التجريبية” جنوبي البلاد، وسط تحديات ميدانية وسياسية تتعلق بقدرته على تثبيت سلطة الدولة، والتعامل مع نزع سلاح حزب الله.
وبينما يفرض الوضع اللبناني المعقد والتحركات الإسرائيلية المستمرة نفسها على مهمة الجيش الصعبة، تتواصل في الوقت نفسه الجهود الدولية لتعزيز جاهزيته.
وخلال لقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض قبل أيام، شدد الرئيس اللبناني جوزاف عون على أن دعم المؤسسة العسكرية اللبناني يعد ركيزة أساسية لبسط سلطة الدولة وتعزيز الاستقرار.
وجددت واشنطن، في المقابل، التزامها بمواصلة دعم الجيش اللبناني.
كما حملت زيارة عون إلى أنقرة تعهدات باستمرار الدعم التركي للقوات المسلحة اللبنانية.
وقال مصدر أمني لموقع “الحرة” إن العمود الفقري لتجهيز الجيش يعتمد على الهبات الأميركية، التي تشمل الأسلحة والذخائر وقطع الغيار، فضلاً عن دعم الخدمات الطبية وغيرها. علماً بأن حجم المساعدات العسكرية الأميركية المقدمة إلى الجيش منذ 2006 تجاوز 3 مليارات دولار.
وبدأ الجيش اللبناني الانتشار، الثلاثاء، في زوطر الغربية، إحدى “المناطق التجريبية” في جنوب البلاد، بموجب الاتفاق الإطار الذي وقع برعاية أميركية في يونيو الماضي.
وتنص الخطة على أن يصادر الجيش اللبناني أسلحة حزب الله في مناطق محددة، مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل، بما يتيح انتشار القوات اللبنانية.
ولا يبدو من السهل الحصول على معلومات تتجاوز الأرقام المجردة بشأن القدرات الحالية للجيش اللبناني. ووجهت “الحرة” عددا من الأسئلة بهذا الشأن إلى مديرية التوجيه، من دون الحصول على إجابات.
ويصنف موقع Global Firepower الجيش اللبناني في المرتبة 118 عالمياً من أصل 145 دولة على مؤشر القوة العسكرية لعام 2026.
ويقدر عديد القوات المسلحة اللبنانية بنحو 160 ألف عنصر، بينهم 80 ألفا في الخدمة الفعلية.
ووفق بيانات الموقع، يمتلك الجيش اللبناني ترسانة تضم 334 دبابة، ونحو 6912 آلية عسكرية، فضلا عن المدفعية وراجمات الصواريخ
أما سلاح الجو، فيضم 80 طائرة، بينها 68 مروحية، لكنه يفتقر إلى الطائرات المقاتلة والمروحيات الهجومية.
وفي البحر، يضم الأسطول 48 قطعة بحرية، من دون امتلاك غواصات أو مدمرات أو فرقاطات.
لكن تصنيف الجيوش أو حجم العتاد لا يكفيان، بحسب خبراء عسكريين، للحكم على قدرة أي جيش على تنفيذ مهمة بعينها، إذ يرتبط التقييم كذلك بطبيعة العمليات التي خاضها والخبرات التي راكمها.
ولا يدخل الجيش اللبناني الاستحقاق الحالي من دون رصيد، فمنذ إعادة توحيد المؤسسة العسكرية بعد اتفاق الطائف، تولى تدريجياً مسؤولية بسط سلطة الدولة على معظم المناطق اللبنانية.
ثم خاض عام 2007 واحدة من أعنف معاركه ضد تنظيم “فتح الإسلام” في مخيم نهر البارد، في مواجهة استمرت أكثر من 3 أشهر انتهت بالقضاء على التنظيم.
وفي عام 2017، أنهى الجيش، خلال عملية “فجر الجرود”، وجود داعش على الحدود اللبنانية السورية، مستعيداً السيطرة على الجرود الشرقية.
لكن مهمة نزع سلاح حزب الله تختلف عن تلك التجارب، إذ لا تستهدف تنظيما أجنبيا أو مجموعات مسلحة معزولة، ولا جيشا نظاميا في مواجهة تقليدية، وإنما تنظيما يمتلك بنية عسكرية مستقلة وحضورا سياسيا وشعبيا.
وبنى حزب الله المصنف إرهابيا على قوائم دول عدة، منذ تأسيسه مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ترسانة عسكرية بدعم رئيسي من إيران.
واستثني من قرار حل الميليشيات الذي أعقب الحرب الأهلية، فبقي محتفظا بسلاحه خارج الأطر الرسمية تحت عنوان “المقاومة”، في ظل استمرار سيطرة إسرائيل على بلدات حدودية جنوبي لبنان.
ثم وسع الحزب حضوره داخل مؤسسات لبنان منذ دخل البرلمان عام 1992، وشارك لاحقا في الحكومات المتعاقبة ابتداء من عام 2005.
ويقول المصدر الأمني إن الجيش اللبناني يمتلك حاليا الإمكانات اللازمة لتنفيذ ما يطلب منه، بينما يصبح الحديث عن نقص العتاد أو الحاجة إلى مزيد من المساعدات حجة لتبرير التعثر.
ويوضح في تصريحات لـ”الحرة” أن طبيعة المهمة الحالية لا تتطلب أسلحة أو قدرات قتالية استثنائية، بل إرادة سياسية تتيح تنفيذ المهمة على الأرض.
وكان وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي أكد أن الجيش يمتلك القدرات المطلوبة لتنفيذ مهامه، معتبراً أن الرهان الآن يتمثل في توسيع انتشاره ليشمل كامل الأراضي اللبنانية.
لكن الموازنة اللبنانية تعكس مع ذلك تحديات أخرى تواجه الجيش. ورغم ارتفاع اعتمادات وزارة الدفاع من 74.024 تريليون ليرة (نحو 827 مليون دولار) إلى 101.692 تريليون ليرة (نحو 1.14 مليار دولار) في موازنة 2026، يخصص القدر الأكبر من هذه الاعتمادات إلى الرواتب والنفقات التشغيلية، بينما تتراجع الاعتمادات المخصصة للتسليح والتجهيز.
ووفق وثيقة “موازنة المواطن” الصادرة عن وزارة المالية، يذهب 88 في المئة من الإنفاق العام إلى النفقات الجارية، فيما لا تتجاوز النفقات الاستثمارية 12 في المئة.
ويفسر ذلك استمرار اعتماد الجيش على المساعدات الخارجية لتطوير قدراته، وتكرار دعوات الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى المجتمع الدولي لمواصلة دعمه.
ومع ذلك أجمع خبراء تحدثوا لـ”الحرة” على أن الجيش اللبناني يمتلك نظريا القدرة على تنفيذ مهمة نزع حزب الله، مع الإشارة إلى أهمية آليات التنفيذ، وكيفية ترجمة قرار حصر السلاح إلى خطوات عملية.
ويرى الخبير الاستراتيجي سعيد القزح ضرورة وضع آلية تنفيذية واضحة. ويقترح أن تعلن الحكومة المناطق التي تعتزم إعادة بسط سلطتها عليها “مناطق عسكرية” استناداً إلى قانون الدفاع الوطني رقم 102 لعام 1983، بما يتيح للجيش إدارة العملية الأمنية بصورة أكثر فاعلية.
ويكون الترتيب بحسب القزح كالتالي: يصدر الإعلان بمرسوم عن مجلس الوزراء، ويحدد بدقة المنطقة المشمولة به، لتنتقل بموجبه إمرة القوى العسكرية والأمنية العاملة ضمنها إلى القيادة العسكرية.
ويتيح هذا فرض تدابير استثنائية تقتضيها الضرورات مثل إغلاق مناطق أو محاور ومنع الدخول إليها والخروج منها إلا بتصاريح، وفرض قيود على التنقل وحظر التجول عند الضرورة، وصولا إلى إخلاء مواقع أو مناطق إذا اقتضت العمليات ذلك.
لكن التحدي لا يقتصر على الجوانب العسكرية، وإنما تتداخل أيضا اعتبارات سياسية وطائفية واجتماعية، وهنا تبرز خطورة أن ينعكس تنفيذ قرار نزع سلاح حزب الله على تماسك المؤسسة العسكرية.
ويرى المصدر الأمني أن هذا احتمال “لا يمكن استبعاده بالكامل”، ويحذر أن تدفع مواقف سياسية أو دينية بعض العسكريين إلى الامتناع عن تنفيذ الأوامر.
وتستحضر هنا وقائع السادس من فبراير عام 1984، حين انعكس الانقسام السياسي والطائفي على الجيش، وأدى إلى تصدع المؤسسة العسكرية.
لكن القزح يرفض هذا التقدير معتبرا أن الحديث عن حرب أهلية أو انقسام داخل الجيش يندرج في إطار “حرب نفسية” تؤخر اتخاذ القرار السياسي.
ويعزو ذلك إلى ما يصفها بحالة الخوف التي ترسخت لدى جزء من الطبقة السياسية والأمنية، نتيجة صدامات خاضها حزب الله مع فصائل لبنانية، وتعاظم نفوذه، وما رافق ذلك من اتهامه بالوقوف وراء عمليات اغتيال طالت شخصيات سياسية وأمنية أبرزها رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري.
ويتفق مع ذلك المحلل السياسي جورج العاقوري الذي يرى أن استحضار تجربة عام 1984 لا يعكس واقع المؤسسة العسكرية اللبنانية اليوم، في ظل وجود مؤسسات دستورية مكتملة، ومشاركة حزب الله نفسه في السلطة.
ويلفت إلى أن أي اعتراض فردي محتمل لا يمكن أن يرقى إلى مستوى الانقسام داخل الجيش أو أن يؤثر في قدرته على تنفيذ مهامه.
ويرى أن أي مواجهة قد يقدم عليها حزب الله ضد الجيش ستضعه في موقع الخارج عن القانون، علما بأن الحزب، في رأي العاقوري، “لا يملك أفقا لنجاح أي مواجهة مع المؤسسة العسكرية أو الاستثمار سياسيا فيها”.

