انتقل إلى المحتوى
كل الأخبار

جودة حضورنا في العائلة | سبق

نُشر: 4 دقيقة قراءة
جودة حضورنا في العائلة | سبق

يناقش المقال كيف غيّرت إيقاعات الحياة الحديثة وأعباؤها المتزايدة شكل حضور أفراد الأسرة داخل عائلاتهم، دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجعاً في درجة اهتمامهم أو محبتهم. ويوضح أنّ أدوار المرأة والرجل تطورت؛ فازدادت مسؤوليات المرأة خارج المنزل، وازداد حضور الرجل في التفاصيل اليومية، مما جعل التعبير عن الاهت…

في زحام الحياة الحديثة، قد لا يبتعد الإنسان دائماً عن الأشياء التي يحبها، لكنه أحياناً يجد نفسه عاجزاً عن منحها نفس المساحة التي كانت تأخذها من قبل. يستمر في الاهتمام، يؤدي مسؤولياته، ويحاول أن يكون حاضراً، لكن شيئاً ما يبدو مختلفاً. وكأن المكانة لم تتغير، لكن الطريق للوصول إليها أصبح أكثر ازدحاماً. وربما لأن هذه المسافة بين ما نشعر به وما نستطيع تقديمه أصبحت تتكرر في تفاصيل كثيرة من حياتنا، بدأ يظهر سؤال آخر حول علاقتنا بمن نحب: هل تغير اهتمامنا بالعائلة، أم تغير شكل حضورنا داخلها؟

وقد يذهب البعض للتساؤل: هل أصبح الرجل اليوم أكثر حرصاً على تماسك العائلة من المرأة؟

ورغم أن مثل هذا السؤال قد يبدو وكأنه مقارنة بين طرفين، إلا أن الإجابة ربما لا تكمن في البحث عمن أصبح يهتم أكثر، بل في فهم ما الذي تغيّر في طريقة ظهور هذا الاهتمام.

ولفهم هذا التحول، قد نحتاج أن ننظر إلى شكل الحياة التي تغيرت من حولنا قبل أن نحكم على تغير الأشخاص داخلها. فقد اتسعت الفرص، وتعددت الاختيارات، ولم يعد اليوم يمنح الإنسان نفس المساحة والهدوء الذي كان يعرفه من قبل. وفي النموذج الأسري السائد سابقاً، كانت الأدوار داخل الأسرة أكثر وضوحاً. وكان حضور المرأة في تفاصيل الحياة اليومية أكثر بروزاً، لأن جزءاً أكبر من وقتها ومسؤولياتها كان يرتبط بالرعاية والمتابعة، حتى مع وجود المساعدة المنزلية، فالحضور لم يكن يقاس بأداء المهام فقط، بل بالقرب والانتباه للتفاصيل التي تحفظ دفء العلاقات.

وفي المقابل، كان اهتمام الرجل يظهر غالباً بصورة مختلفة، من خلال العمل، وتحمل المسؤولية، والسعي لتوفير الأمان والاستقرار لأسرته.

لكن مع تغير الحياة تعددت الأدوار التي تحملها المرأة؛ الأسرة، والعمل، والطموح الشخصي، والتطوير، ومسؤوليات أخرى كثيرة. ولهذا قد يفسر البعض هذا التغير على أنه تراجع في اهتمامها بالعائلة، بينما قد يكون في أحيان كثيرة نتيجة لكثرة المسؤوليات التي تتوزع بينها. فقد يبقى الاهتمام موجوداً، وتبقى المسؤولية حاضرة، لكن الجزء الذي يمنحها دفئها وروحها قد يتأثر مع تراكم الضغوط.

ومع هذا التغير، أصبح حضور الرجل داخل الأسرة أكثر ملاحظة في السنوات الأخيرة، فقد أصبحت صور الاهتمام تظهر أيضاً من خلال المشاركة والقرب والحضور في التفاصيل اليومية. وربما كان الاختلاف في شكل التعبير عن الاهتمام أكثر من مقدار الاهتمام نفسه. لكن محاولة فهم هذه التغيرات لا تعني أن كل ابتعاد يمكن تفسيره بالضغوط، فهناك فرق بين من يغيب لأنه لم يمنح العلاقة مكانتها، وبين من يقل حضوره لا لقلة اهتمامه، بل لانشغاله بكثرة المتطلبات.

ولأن هذه التجربة أصبحت جزءاً من حياة كثير من الناس، برزت نظرية “صراع العمل والأسرة” (Work–Family Conflict) التي قدمها الباحثان جيفري جرينهاوس ونيكولاس بيوتل، وتوضح كيف يمكن أن تتعارض متطلبات العمل مع متطلبات الأسرة، فيصبح من الصعب على الإنسان أن يؤدي كلا الدورين بالحضور نفسه والاهتمام نفسه. وبمعنى أبسط، قد لا يكون الإنسان أقل اهتماماً بمن يحب، لكنه قد يصل إليهم بطاقة أقل مما يريد.

ولم يعد إدراك أثر هذا التداخل بين العمل والحياة مقتصراً على الفرد فقط، فكثير من بيئات العمل الحديثة بدأت تتجه إلى خيارات أكثر مرونة، مثل العمل المرن وبعض الإجازات المدفوعة، في محاولة لدعم توازن الإنسان بين أدواره المختلفة. فهذه التغيرات تحمل رسالة مهمة: أن جودة حياة الإنسان خارج العمل ليست منفصلة عن قدرته على العطاء داخله. فالإنسان لا يترك أدواره الأخرى عند باب العمل، كما أن أثر العمل قد يرافقه أحياناً عندما يعود إلى حياته الخاصة.

وما يظهر في الدراسات والسياسات الحديثة، نراه أيضاً في تفاصيل يومية صغيرة حولنا. قد نجد أماً تتابع كل ما يخص أسرتها وتحاول ألا تقصر، لكنها في نهاية اليوم تشعر أن قدرتها على الحديث والحضور أصبحت أقل. وقد نجد أباً يعود إلى بيته محاولاً أن يكون أكثر قرباً، لكنه يحمل معه شيئاً من ضغوط الحياة الحديثة.

ولا يتوقف هذا التغير عند دور الأب أو الأم فقط، فقد نجد ابناً أو ابنة يعودان إلى المنزل في نهاية اليوم وقد تبقى القليل من الوقت والطاقة للمشاركة والحديث. وقد نجد أخاً أو أختاً يحب عائلته، لكن ازدحام الأيام جعل حضوره بينهم أقل مما يريد.

ومع الوقت، قد تجتمع الأسرة في مكان واحد، لكن كل فرد فيها يحمل معه جزءاً من عالمه الخارجي، عملاً لم ينتهِ، تفكيراً مستمراً، أو مسؤولية تنتظر.

وفي النهاية، قد لا نستطيع دائماً أن نعيد الأيام إلى إيقاعها القديم، أو نقلل كل المسؤوليات التي أصبحت جزءاً من واقعنا، لكن يمكننا أن ننتبه لجودة حضورنا داخل الوقت الذي نملكه. فالعائلة لا تحتاج دائماً إلى ساعات طويلة بقدر ما تحتاج إلى لحظات نشعر فيها بمن حولنا؛ إلى حديث حقيقي، وإنصات صادق، وحضور لا يكون بالجسد فقط.

وربما لم يعد السؤال الأهم: كم من الوقت نقضي مع من نحب؟

بل كيف نكون حاضرين في الوقت الذي نقضيه معهم؟

شارك Facebook X Telegram

الأكثر قراءة

  1. السيسي من مقر القيادة الاستراتيجية الجديدة: ثورة 30 يونيو كانت معركة ضد الإرهاب لتحقيق حلم المصريين
  2. من هو ناير ناجي.. المايسترو المصري الذي قاد الأوركسترا في افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية
  3. السيسي يوجه الحكومة بفتح المجال العام للحوار الاعلامي وسماع الرأي والرأي الآخر
  4. السيسي من الأوكتاجون: مصر لن تنحني إلا لله ولن تسمح بالمساس بأمنها القومي
  5. السيسي يفتتح مقر القيادة الاستراتيجية ويؤكد ان التكاتف والعمل الجاد طريق التقدم
  6. السيسي يهنئ الشعب المصري بتأهل المنتخب لدور الـ16 في كأس العالم: ربنا كرمنا وجبر بخاطرنا

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *