إســـلام عفيفى يكتب: الزلزال والعشوائيات.. وتفاصيل ليست صغيرة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

الهزات الأرضية التى فاجأتنا بليل، لم تكن اختبارًا إيمانيًا فقط ولا دعوة من السماء بلا معنى، ولا دعوة للعلماء والباحثين للدراسة والرصد وكيفية المواجهة للتداعيات، فالزلازل لا تختبر المبانى وحدها، بل تختبر الدولة أيضًا، تختبر كود البناء، وجودة العمران، ووعى المواطن، وسرعة المعلومة، وقدرة الحى، والحماية المدنية، والمحافظة، وغرف العمليات، لذلك فإن الهزات التى يشعر بها الناس من وقت إلى آخر يجب ألا نتعامل معها كموقف مر مرور الكرام علينا بعد دقائق من القلق، بل كرسالة تذكير: قوة الدولة لا تظهر فقط فى المشروعات الكبرى، بل فى تفاصيل صغيرة تبدأ من رخصة بناء، وقرار حى، ورصيف منظم، وملف تصالح منضبط.

ذاكرة المصريين مع الزلازل مثقلة ومشحونة بذكريات مؤلمة، فزلزال 1992 لم يكن مجرد هزة أرضية، بل كان صدمة عمرانية وإدارية واجتماعية، كشف وقتها هشاشة مبانٍ، وعشوائية عمران، وضعف استعداد، وغياب ثقافة مواجهة الكوارث، اليوم، لا يجوز أن نقول إن مصر أصبحت بعيدة عن الخطر؛ لا توجد دولة تستطيع تجاهل الطبيعة أو تحدى القدر، لكن يمكن القول إن هناك – والحمد لله- فرقًا بين دولة تفاجأ بالكارثة ودولة تملك أدوات للرصد والاستجابة، وبين عمران يترك للصدفة وعمران يدخل تحت رقابة ومعايير.

اقرأ أيضا: نجم جديد يقترب من الرحيل عن برشلونة

المعهد يرصد، والبيانات تصدر سريعًا، والناس تعرف أن هناك شبكة تتابع، وهذه فى حد ذاتها نقلة مهمة، لكن النقلة الأهم ليست فقط فى رصد الهزة، بل فى منع تحول الهزة إلى كارثة، وهنا نصل إلى أصل الملف: البناء، فالكارثة لا تبدأ لحظة اهتزاز الأرض، بل تبدأ قبلها بسنوات عندما يقرر شخص أن يبنى بلا ترخيص، أو يعلّى أدوارًا فوق قدرة العقار، أو يغلق منورًا، أو يغير نشاطًا، أو يتعامل مع السلامة الإنشائية كأنها تفصيلة نجح فى الالتفاف عليها بمهارات الاحتيال.

من هنا يصبح ملف التصالح فى مخالفات البناء ليس مجرد إجراء مالى أو ورق يقدم فى الحى، التصالح إذا أُدير بوعى، هو محاولة لإغلاق صفحة طويلة من الفوضى العمرانية، ليس معناه مكافأة المخالف، ولا غسل خطايا العشوائية، لكنه أيضًا ليس بابًا لمعاقبة الناس بلا تمييز، هو محاولة صعبة للموازنة بين واقع قائم لا يمكن إنكاره، ودولة تريد أن تستعيد سيطرتها على العمران من دون أن تحطم حياة ملايين الأسر.

مد مهلة التصالح أكثر من مرة يعكس إدراكًا أن الملف اجتماعى بقدر ما هو قانونى، هناك مواطنون ورثوا مخالفات لم يصنعوها، وأسر تعيش فى بيوت تحتاج إلى تقنين، ومناطق كاملة نشأت فى ظل غياب الرقابة أو ضعفها، لكن هذا لا يجب أن يتحول إلى رسالة خاطئة بأن المخالفة ستجد دائمًا بابًا جديدًا للتسوية، التصالح يجب أن يكون آخر محاولة لترتيب الماضى، لا مقدمة لفوضى جديدة فى المستقبل.

وهنا يأتى الامتحان الحقيقى للمحليات، فالدولة لا تبدأ من العاصمة الجديدة، ولا من الطريق السريع، ولا من المؤتمر الكبير فقط، الدولة تبدأ من الحى، من موظف الشباك، من مهندس التنظيم، من رخصة بناء تصدر بعدل وسرعة، من شارع لا يبتلعه الإشغال، من عقار لا يعلو ليلًا بعيدًا عن عين الرقابة، من رصيف يستطيع المواطن أن يمشى عليه، من حى يعرف أين الخطر قبل أن يقع، إنها تفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها ليست كذلك.

يمكن للدولة أن تبنى مدنًا جديدة وطرقًا ومحاور، لكن إذا بقيت المحليات ضعيفة، ستعود الفوضى من الباب الخلفى، لأن المخالفة لا تولد فى البرلمان، ولا فى مجلس الوزراء، بل تولد فى شارع صغير، أمام عين موظف، أو بتواطؤ محلى، أو بضعف متابعة، أو بعجز عن تطبيق القانون، لذلك فإن إصلاح المحليات ليس ملفًا إداريًا مملًا، بل هو صميم الأمن القومى العمرانى والاجتماعى.

الزلزال يذكّرنا بأن العشوائية ليست مجرد قبح بصرى، العشوائية خطر على الحياة، مبنى مخالف ليس مشكلة صاحبه وحده، بل خطر على الجيران والشارع وشبكات المرافق وفرق الإنقاذ، شارع مغلق بالإشغالات ليس مجرد إزعاج، بل قد يكون فارقًا بين وصول سيارة إسعاف فى الوقت المناسب أو تأخرها، رخصة بناء فاسدة ليست ورقة، بل احتمال مأساة مؤجلة.

اقرأ أيضا: منتخب الناشئات يواجه الدنمارك على برونزية بطولة العالم لليد

ولهذا يجب أن نقرأ التصالح والمحليات والهزات الأرضية كملف واحد، التصالح ينظم الماضى، والمحليات تحمى المستقبل، والاستعداد للكوارث يكشف كفاءة الاثنين، فإذا تصالحنا مع الماضى من دون إصلاح المحليات، سنصنع مخالفات جديدة، وإذا طورنا المحليات من دون حسم ملف التصالح، سنترك ملايين الملفات معلقة، وإذا تحدثنا عن الزلازل من دون مراجعة العمران، سنكون كمَن يسمع جرس الإنذار ثم يغلقه بدل أن يبحث عن سبب الخطر.

فى رأيى، الشأن المحلى أصبح هو الآخر كما هو الشأن الإقليمى والدولى، امتحان صعب للدولة فى المرحلة المقبلة، المواطن قد لا يرى كل تفاصيل السياسة الخارجية، ولا يلمس كل عائد المشروعات الكبرى فورًا، لكنه يرى الحى كل يوم، يرى القمامة، والإشغال، والرخصة، والمخالفة، والشارع، والموقف، والمدرسة، والمستشفى، والعقار المجاور، لذلك فإن هيبة الدولة فى الداخل لا تُبنى فقط بالقرارات الكبرى، بل بتطبيق القانون فى التفاصيل الصغيرة.

المطلوب ليس دولة قاسية على الناس، ولا دولة تتساهل مع الفوضى، المطلوب دولة عادلة وحاسمة، تفتح باب التصالح لمَن يستحق، لكنها تغلق باب المخالفة الجديدة، تيسّر الإجراءات، لكنها لا تبيع السلامة، تراعى ظروف المواطنين، لكنها لا تترك الأرواح تحت رحمة عمود ضعيف أو دور مخالف، تطور المحليات ضرورة، لا لأنها ملف خدمى فقط، بل لأنها خط الدفاع الأول عن العمران والحياة.

الهزة التى تمر بسلام لا تعنى أن نطمئن إلى الأبد، بل تعنى أن نستعد أكثر، وقرار التصالح لا يعنى أن نغفر للفوضى، بل أن ننهيها، وإصلاح المحليات لا يعنى تحسين الخدمة فقط، بل إعادة الدولة إلى الشارع، الدولة القوية لا تظهر فقط حين تبنى مشروعًا ضخمًا، بل حين تمنع مخالفة صغيرة من أن تتحول إلى كارثة كبيرة، ومن هنا تبدأ الجمهورية الحقيقية: من الرصيف، من الحى، من العقار، من القانون، ومن وعى يعرف أن سلامة الناس ليست تفصيلة، بل أساس الدولة.
 

اقرأ أيضا: مواعيد مباريات الأهلي في معسكر إسبانيا استعدادًا للموسم الجديد

‫0 تعليق

اترك تعليقاً