حققت مصر تقدمًا ملحوظًا في توسيع الرقعة العمرانية من خلال إنشاء المدن الجديدة، إلا أن التوسع العمراني وحده لا يكفي لتحقيق الهدف الرئيسي المتمثل في إعادة توزيع السكان، وفقاً لدراسة جديدة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية.
وأشار المركز إلى وجود اختلال جغرافي مستمر في توزيع فرص العمل، إذ سجلت محافظة القاهرة، على مدار فترة التحليل، أكبر عدد من الوظائف الشاغرة المعلن عنها، في حين ظل الطلب على العمالة محدودًا نسبيًا في المحافظات التي تضم عددًا من المدن الجديدة، مثل المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا وأسوان وبني سويف.
نمو فرص العمل لم يواكب امتداد المدن
وأوضح تحليل المركز أن محافظة القاهرة سجلت وحدها خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 15 ألف وظيفة شاغرة معلن عنها، مقابل إجمالي لا يتجاوز 240 وظيفة في المحافظات الست مجتمعة، ما يعني أن عدد فرص العمل المعلن عنها في القاهرة يزيد على تلك المحافظات بأكثر من 60 ضعفًا.
وبصفة عامة، تشير نتائج التحليل إلى أنه على الرغم من أن المدن الجديدة قد امتدت على نطاق جغرافي أوسع، لم يواكب نمو فرص العمل هذا التوسع بالوتيرة نفسها، وهو ما حال دون تكوين أسواق عمل محلية قوية في العديد من المحافظات التي تحتضن مجتمعات عمرانية جديدة، بما يكفي لجذب أعداد كبيرة من السكان للإقامة بها.
وأضاف التحليل أن التنمية العمرانية والتنمية الاقتصادية لم تتقدما بالوتيرة نفسها، إذ وجهت استثمارات ضخمة إلى قطاعي الإسكان والبنية التحتية، في حين ظل نمو فرص العمل محدودًا بدرجة ملحوظة. ونتيجة لذلك، واجهت العديد من المدن الجديدة صعوبة في جذب السكان للإقامة الدائمة، رغم حجم الاستثمارات العامة التي ضُخت فيها.
عدم توفر الوظائف ليس السبب الوحيد
وأشار إلى أن عدم توافر الوظائف ليس السبب الوحيد وراء عزوف السكان عن الانتقال إلى المدن الجديدة، إذ تلعب عوامل أخرى دورًا مهمًا، من بينها توافر المدارس الجيدة، وخدمات الرعاية الصحية، والمرافق التجارية، ووسائل النقل العام الكفؤة، والإسكان الميسر. وعندما تكون هذه المقومات محدودة، أو تظل تكاليف السكن والتنقل مرتفعة، يضعف الحافز على الانتقال والإقامة الدائمة.
كما أوضح أن استمرار انخفاض معدلات الإشغال في عدد من المدن الجديدة الأقدم يشير إلى أن هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بحداثة إنشاء مدن الجيل الرابع، وإنما تعكس أهمية فهم العوامل المشتركة التي تؤثر في قرارات السكن والتنقل إلى المجتمعات العمرانية الجديدة.
واختتم التحليل بالتأكيد على أن إنشاء المدن الجديدة، رغم أهميته، لا يكفي بمفرده لتحقيق هدف الحد من التركز السكاني، ما لم يقترن بخلق نشاط اقتصادي محلي قوي، وتوفير خدمات حضرية متكاملة.
فجوة بين عدد السكان المستهدف والفعلي
وأضاف أن إعادة توزيع السكان بصورة مستدامة تعتمد على إنشاء مدن تتيح للسكان فرص العيش والعمل والحصول على الخدمات الأساسية، وليس مجرد توفير وحدات سكنية للإقامة.
وأشار التحليل إلى أن استمرار الفجوة بين عدد السكان المستهدف والفعلي في المدن الجديدة يعكس استمرار الاختلال في التوزيع الجغرافي لفرص العمل، التي لا تزال تتركز بدرجة كبيرة في القاهرة الكبرى.
ولفت إلى أن مصر تعد من أكثر دول العالم معاناة من التركز السكاني جغرافيًا، فرغم أن مساحتها تتجاوز مليون كيلومتر مربع، فإن أكثر من 95% من السكان يتركزون في وادي النيل والدلتا، وهو ما يجعل تحقيق التوازن بين التنمية العمرانية والتنمية الاقتصادية شرطًا أساسيًا لنجاح جهود إعادة توزيع السكان.

