مع تسارع استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارة، لن يتحدد مستقبل هذه التقنية بقدراتها وحدها، بل بمدى ثقة المستهلكين بها. فكلما توسع دور الذكاء الاصطناعي في رحلة الشراء، أصبحت الثقة العامل الأكثر حسماً في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
لقد بلغت المدفوعات الرقمية اليوم مستوى غير مسبوق من السلاسة، فيما أصبحت الخدمات المالية جزءاً مدمجاً في التطبيقات التي يستخدمها الأفراد يومياً، وتوسعت التجارة لتتجاوز الحدود الجغرافية والمنصات التقليدية. لكن في المقابل، تتطور أساليب الاحتيال بالسرعة نفسها، وعلى نطاق واسع.
ويكشف أحدث تقرير نصف سنوي صادر عن فيزا حول التهديدات الأمنية، عن رصد محاولات احتيال مرتبطة بعمليات الاحتيال الإلكتروني بلغت قيمتها نحو مليار دولار خلال ستة أشهر فقط. إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم هذه المحاولات فحسب، بل في طبيعة التحول الذي تشهده. فلم يعد الاحتيال يقتصر على سرقة بيانات البطاقات المصرفية فقط، بل أصبح يركّز على الخداع وانتحال الهوية والتلاعب بالضحايا والهندسة الاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، يلجأ المحتالون إلى تسخير الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتهم وتوسيع نطاق هجماتهم، حيث شهدت النقاشات في المنتديات السرية حول أساليب الاحتيال القائمة على الذكاء الاصطناعي ارتفاعاً بنسبة 477%. وعلى الصعيد العالمي، يؤكد 73% من المستهلكين أنهم -أو أحد الأشخاص الذين يعرفونهم- كانوا ضحايا لأحد أشكال الاحتيال الإلكتروني. وهذا التحول لا يمثل مجرد تطور في أساليب الاحتيال، بل يعكس تغيراً أعمق في طبيعة المخاطر، فالاحتيال اليوم لا يبدأ عند لحظة إتمام الدفع، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، منذ اللحظة التي تُبنى فيها الثقة وتتحدد فيها العلاقة بين المستخدم والتقنية.
الثقة.. المفتاح الحقيقي للنمو
يشهد الاقتصاد الرقمي في المملكة العربية السعودية نمواً متسارعاً، مدفوعاً بإقبال المستهلكين على تبنّي أحدث التقنيات، بدءاً من التجارة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التي تساعدهم على البحث والمقارنة واتخاذ القرارات.
وتوضح المؤشرات الحديثة حجم هذا التحول، إذ يستخدم 90% من المستهلكين في المملكة أدوات الذكاء الاصطناعي خلال رحلة التسوق، ويرى 93% منهم أنها تجعل تجربة الشراء أكثر سرعة وسهولة.
لكن هذا الإقبال لا يعني بالضرورة وجود ثقة كاملة. فعندما يتعلق الأمر بالسماح لوكلاء الذكاء الاصطناعي بإتمام عمليات الدفع نيابة عنهم، تنخفض نسبة الثقة إلى 33% فقط، وهنا تتحدد ملامح المرحلة المقبلة من التجارة الرقمية، فالفجوة بين استخدام التقنية والثقة بها ستحدد مدى انتشار التجارة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إذ إنّ السرعة والسهولة وحدهما لم تعودا كافيتين، فالتبني الحقيقي يبدأ عندما يشعر المستخدم بالثقة.
الابتكار لا يزدهر إلا بالثقة
على امتداد تاريخ التجارة، ارتبط نجاح كل تحول تقني بوجود الثقة. فقد توسعت التجارة الإلكترونية عندما اطمأن المستخدمون إلى أمان المدفوعات عبر الإنترنت، وانتشرت المدفوعات عبر الهواتف الذكية عندما وثق المستخدمون بالبيئات الرقمية الآمنة.
ولن يختلف الأمر مع التجارة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فالمستهلكون يدركون الإمكانات الكبيرة لهذه التقنية، إذ يرى 84% من المستهلكين في السعودية أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي دوراً محورياً في حمايتهم من الاحتيال مستقبلاً. غير أن القناعة وحدها لا تكفي، فالثقة يجب أن تُبنى باستمرار، من خلال كل تفاعل، وكل عملية دفع، وكل لحظة قد تنطوي على مخاطر. واليوم، لم تعد الثقة ميزة إضافية، بل أصبحت الأساس الذي تقوم عليه المنظومة بأكملها.
دمج الثقة في بنية المنظومة
من هنا، يصبح من الضروري أن يتبنى القطاع بأكمله رؤية واضحة مفادها أن الثقة ليست عنصراً يمكن إضافته لاحقاً، بل ينبغي أن تكون جزءاً أصيلاً من تصميم المنظومة منذ اللحظة الأولى، وهذا هو النهج الذي تتبعه فيزا، عبر دمج معايير الأمان في جميع مراحل تنفيذ المعاملات، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد محاولات الاحتيال، ومراقبة المخاطر في الوقت الفعلي، إلى جانب توظيف تقنيات مثل “الترميز” لحماية البيانات الحساسة.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، فبناء الثقة يتطلب تعاوناً وثيقاً بين المؤسسات المالية، وشركات التقنية المالية، والتجار، والجهات التنظيمية، لضمان استمرار الابتكار ضمن منظومة توفر أعلى مستويات الحماية. ولا يقتصر دورنا على تسهيل إنجاز المعاملات فحسب، بل يمتدّ إلى ضمان أن تُنفَّذ هذه المعاملات بأمان وموثوقية، وأن تحظى بثقة المستهلكين على نطاق واسع.
مرحلة فارقة للمملكة العربية السعودية
تمتلك المملكة العربية السعودية فرصة استثنائية لتكون في طليعة هذا التحول، فبفضل رؤية السعودية 2030 وما يصاحبها من تركيز وطني واضح على تسريع التحول الرقمي، تمضي المملكة بثقة نحو بناء اقتصاد رقمي متقدم ومترابط وسريع النمو. ويواكب هذا التوجهَ تفاعلٌ متزايد من المستهلكين مع التقنيات الحديثة، إلى جانب قطاع أعمال يواصل الابتكار، ومنظومة رقمية تتطور بوتيرة متسارعة. وتوفر هذه المقومات للمملكة فرصة لا تقتصر على تبني التجارة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بل تمتد إلى الإسهام في رسم معايير تطبيقها بصورة مسؤولة وآمنة. تعتمد على الابتكار، وتتماشى جنباً إلى جنب مع الأمان، وتواكب حماية المستهلك، ما يعكس سرعة التطور التقني، ويجعل الثقة جزءاً أصيلاً من كل تجربة، لا عنصراً يُضاف في مراحل لاحقة. لذلك فإن نجاح المملكة في ترسيخ هذا التوازن، يؤهلها للإسهام في رسم ملامح مستقبل التجارة القائمة على الذكاء الاصطناعي، ما يضمن توسعها بأمان، ويعزز الثقة بها، ويكفل استدامة نموها.
الثقة.. بوابة المستقبل
لن يتحدد مستقبل التجارة بمدى سرعة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وحدها، بل بمدى ثقة الناس في استخدامها. وبالنسبة للشركات، يعني ذلك تصميم الأنظمة بحيث يكون الأمان جزءاً أساسياً من بنيتها منذ البداية. أما بالنسبة لصنّاع السياسات، فيتطلب الأمر إيجاد بيئة تشجع الابتكار مع الحفاظ على أطر حماية قوية. وفي المقابل، يحتاج المستهلكون إلى الوضوح والسيطرة على كل خطوة في رحلتهم الرقمية.
سيواصل الذكاء الاصطناعي إعادة تشكيل التجارة بوتيرة متسارعة، لكن النجاح لن يكون من نصيب الجهات التي تقدم أكثر التقنيات تطوراً، بل تلك القادرة على كسب ثقة المستهلكين والمحافظة عليها. ففي نهاية المطاف، تبقى الثقة العامل الذي يحدد ما إذا كانت الابتكارات الجديدة ستتحول إلى سلوك يومي واسع الانتشار أم ستبقى مجرد إمكانات واعدة.
النائب الأول للرئيس ورئيس شركة فيزا لمجموعة المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وسلطنة عُمان
Ad

