رفض الشيخ عبد الله بن بكر أن ينشأ أبناؤه في أجواء الرفاهية التي قد تضعف عزيمتهم أو تصرفهم عن قيمة العمل، رغم أنه كان من أعيان الطائف وكبار ملاك الأراضي فيها.
فبدلاً من أن يقضوا طفولتهم بين البساتين الغنّاء، ربّاهم على الاعتماد على النفس، والانضباط، وتحمل المسؤولية. إذ كان يصطحبهم إلى الحارات القديمة حيث برحة العباس وباب الريع ليختلطوا بالناس أكثر ويتعلموا كيف يحملون المسئولية، تلك الجولات كانت هي العمود الفقري لشخصية ابنه بكر الذي لم تثنه الطفولة المرفهة عن أن يكون طالب علم من الطراز الرفيع وهو ما أهله أن يكون أول مهندس سعودي في أرامكو ثم صاحب مسيرة أكاديمية وفكرية ودبلوماسية تميز بها حتى رحل منذ أيام عن عمر يناهز 83 عامًا تاركًا حياة عنوانها “الخشونة تصنع الرجال”.
ولد بكر بن عبد الله بن بكر في 1943 بالطائف لينتمي إلى عائلة عريقة تعود جذورها إلى فخذ كندة حيث نسل الصحابي الجليل المقداد بن الأسود، وكانت الطائف وقتها المصيف الرسمي للمملكة حيث تختلط فيها رائحة الورد بسلال الفواكه، وفي هذا المناخ فتح الطفل عينيه وعرف معنى جمال بلاده قبل أن يشحذ همته ليبدأ في حفظ القرآن الكريم بمسجد عبدالله بن العباس التاريخي وهي خطوة لم تكن خيارا شخصيا آنذاك بل مسارا إلزاميًا يعبر به الأطفال نحو بوابات المستقبل.
الدراسة النظامية أثقلها بكر بمعرفته بالكتب
بين أبناء النخبة والملوك بالمدرسة السعودية التاريخية في باب الريع بدأ بكر دراسته النظامية التي أثقلها بمعرفته بالكتب التي ضجت بها مجالس والده حيث كان مجلس العائلة صالونا ثقافيًا، وزاد شغف الفتى بالعلم أكثر حين انتقل إلى مدرسة ثقيف الثانوية التي أسسها الملك الراحل فيصل لتخريج قيادات الدولة الحديثة، وفي فصول تلك المدرسة نبغ بكر أكثر ليختتم مسيرته التعليمية بتفوق وضع اسمه في مقدمة الشباب المختارين لمهام وطنية كبرى.
“أنا ترتيبي الأول في الثانوية العامة وسمعت أن الوزارة أطلقت برنامج جديد لجذب المتفوقين إلى هندسة البترول”، بتلك الكلمات وقف بكر بن عبد الله أمام مكتب الشيخ عبدالله الطريقي أول وزير للبترول في المملكة والملقب بـ”البترولي الأحمر” لحماسته لتأميم وإدارة النفط بأيادٍ سعودية ومن أجل ذلك وضع إستراتيجية جديدة في مطلع الستينات لابتعاث المتفوقين في الثانوية العامة لدراستهم هندسة البترول في أفضل الجامعات الأمريكية ثم العودة لبلادهم والاستفادة من خبراتهم، لكن وقفة الطالب بكر أعجبت الشيخ الطريقي الذي رأى أمامه شخص جريء وموهوب فضمه لبرنامج النخب المبتعثة إلى جامعة تكساس.
دهشة المشرفين الأمريكيين
في الولايات المتحدة حقق الشاب ما يشبه المعجزة الأكاديمية بنيله شهادة البكالوريوس في أقل من 4 سنوات وهو ما أدهش مشرفيه الأمريكيين بحد وصف بكر في حوار سابق له، وبعد تخرجه 1963 عاد إلى المملكة ليدخل التاريخ من أوسع أبوابه حيث سجل رسميًا كأول مهندس بترول سعودي يلتحق بالعمل ميدانيًا في أرامكو بالظهران.
شكل تعيين ابن بكر نقطة تحول فتحت الطريق لأجيال تعاقبت من بعده، لذلك ما إن تمت المهمة حتى انتقل ليشارك في وضع الخطة التأسيسية والإدارية لكلية البترول والمعادن الناشئة آنذاك بالظهران وعين وكيلا لها بالتوازي مع ابتعاثه مجددًا لنيل الماجستير من جامعة ستانفورد، وحين عاد كان في انتظاره اللحظة التاريخية 1975 حين تحولت الكلية إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وتولى هو إدارتها.
صنْع كادر واحد أهم من بناء 10 مصانع
يرى العالم الإسكتلندي إلكسندر فلمنج أن صنع كادر واحد أهم من بناء 10 مصانع، تلك القاعدة طبقها الدكتور بكر بن بكر في جامعة الملك فهد إذ حولها إلى صرح أكاديمي خلال عقدين تولى فيهم رئاستها، وبعيدًا عن إدارته الديمقراطية التي شهد بها الطلاب استطاع أن يجعل من قاعات المحاضرات مصانع لإنتاج الكوادر البشرية الرفيعة وفي مقدمتهم الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة الحالي وأمين الناصر رئيس شركة أرامكو وخالد الفالح وزير الاستثمار السابق، إضافة إلى علماء وباحثين يتردد صدى أبحاثهم عالميًا مثل عالم النانو علي الرزوقي بل امتد التأثير إلى قيادات إقليمية مثل غازي مشعل أول رئيس للعراق بعد 2003 وهو أحد طلاب بكر بن بكر الذي بات يوصف بالأب الروحي للجيل الذهبي الذي يقود قطاع الطاقة اليوم.
من الإدارة إلى السلك الدبلوماسي لم يختلف الأمر كثيرًا عند الدكتور بكر الذي استعانت به الدولة ليترك أروقة الجامعة ويدخل دهاليز السياسة الدولية، ففي 1995 صدر الأمر الملكي بتعيينه سفيرًا للسعودية لدى الجمهورية التونسية ليقضي هناك 4 سنوات، كما قضى مثلهم في دمشق في وقت تميز بحساسية شديدة لكنه تمكن من تمثيل بلاده بكل حكمة واقتدار حتى وصف بالسفير الهادئ الذي لا يهزم أبدًا.
بستان “الريان” شاهد على تأليف الكتب والبحوث
بعد 8 سنوات في محراب الدبلوماسية آثر الدكتور بكر بن بكر أن يبتعد عن الأضواء لكنه لم يركن إلى العزلة ففي بستان “الريان” إرث أجداده التاريخي بالطائف، تفرغ الرجل لتأليف الكتب والبحوث المتخصصة في الإدارة والتعليم كما أصبح مستشارًا في مركز إسهامات المسلمين في الحضارة الإنسانية ليقضى معظم وقته بين الأوراق والمخطوطات التاريخية، وما تبقى منه كرسّه لشغفه الأول وهو ممارسة الخط العربي ومجالسة أهل الفكر والعلماء والاطمئنان على أولاده الذين سلكوا المسلك الأكاديمي سواء ابنه أسامة خريج جامعة الملك فهد أو ابنته الدكتورة مها التي تولت منصب عميدة كلية البنات في المنطقة الشرقية وغيرهم.
رحلة بكر بن بكر، الذي نعته المؤسسات العلمية والاقتصادية والدبلوماسية، لم تكن رحلة فردية بقدر ما كانت نموذجًا لكيفية صناعة الكفاءات الوطنية؛ بدءًا من البحث عن المتفوقين، ثم ابتعاثهم، والاستفادة من خبراتهم في المنشآت الكبرى والجامعات، وصولًا إلى تمثيل البلاد دبلوماسيًا. واليوم، تمضي رؤية السعودية 2030 على النهج ذاته؛ فهي لا تبني المشاريع فحسب، بل تبني الإنسان، وتعيد إليه الحلم، وتُرسّخ مفهوم أن لا شيء مستحيل، وهو المعنى الذي جسّده ولي العهد السعودي بقوله: همة السعوديين مثل جبل طويق.

