تتجاهل بعض الدول القوانين الدولية والإنسانية دون كلل، متعمدة خرق ميثاق الأمم المتحدة، معتقدة أنها فوق المساءلة والمحاسبة، وأن بإمكانها فرض إرادتها بالقوة. هذه الدول تحوّل القانون الدولي إلى أداة للهيمنة، وعندما يجدون أن القانون غير قابل للانصياع، يلجأون إلى تهديده وإخضاعه لتعطيل أي مسارات للمساءلة، خاصة عندما ترفض الدول الخضوع للسياسة الأمريكية، فتُلاحَق بعقوبات سياسية واقتصادية.
خرجت المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودة، إلى جانب المدعي العام الحالي كريم خان، مؤخرًا عن صمتهما ليكشفا تعرضهما لضغوط وتهديدات في حال الاستمرار في التحقيق مع مسؤولين إسرائيليين بتهم ارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين، ومن بينهم تهديدات جاءت من مسؤولين أمريكيين.
ابدت بنسودة، التي ترأست المحكمة بين 2012 و2021، أن إسرائيل مارست ضغوطًا لإيقاف التحقيقات الخاصة بالأراضي الفلسطينية المحتلة، مشيرة إلى أن هذه الضغوط تصاعدت إلى حد تهديدات طالت عائلتها. وذكرت أنها التقت رئيس الموساد السابق يوسي كوهين مرتين، في ميونخ ونيويورك، حيث طلب منها رسمياً وقف التحقيقات، موجهًا تهديدًا مبطنًا يتعلق بسلامتها وسلامة عائلتها. وصفت بنسودة هذا اللقاء بالتهديد الصريح والتدخل في عمل المحكمة وسعيًا للتأثير على العدالة الدولية. لم تقتصر الضغوط على التواصل المباشر، بل شملت ممارسات تهديد غير مباشرة استهدفت زوجها، إضافة إلى فرض عقوبات أمريكية على المحكمة وأعضائها تشمل قيودًا مالية وتأشيرية في سبتمبر 2020.
رغم هذا، استمرت المحكمة في ملاحقتها للجرائم الإسرائيلية، وأصدرت في نوفمبر 2024 أوامر اعتقال بحق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يواف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين.
لا يمكن فهم تهديدات بنسودة بمعزل عن السياسة التي تعتمدها إسرائيل والولايات المتحدة في مواجهة أي جهة تلتزم بالعدالة والقانون الدولي. فالمدعي العام الحالي كريم خان يواجه ضغوطًا وتهديدات متواصلة بسبب متابعته للتحقيقات، حيث دُبرت حملات لتشويه سمعته واتهامه بسوء السلوك، ثبت زيفها لاحقًا. وتؤكد تقارير وجود مراقبة استخباراتية مكثفة في لاهاي، بالإضافة إلى ضغوط مباشرة من جهات غربية لوقف ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين. وجاء في رسالة سورها السيناتور ليندسي غراهام و十二 سيناتورًا أمريكيًا، تهديد واضح مفاده: “استهدفوا إسرائيل وسنستهدفكم”، مؤكدين أن المحكمة الجنائية الدولية “وُجدت للتعامل مع إفريقيا، وليس مع دول ديمقراطية مثل إسرائيل والولايات المتحدة”. كما كشف خان عن نقاش حاد مع ديفيد كاميرون ممثل الحكومة البريطانية، الذي هدده بسحب التمويل والانسحاب من نظام روما في حال الاستمرار بطلب أوامر الاعتقال بحق المسؤولين الإسرائيليين.
هكذا، يتكشف واقع مريع لعالم يحاول البعض فيه تحجيم العدالة الدولية واستبدالها بمبدأ القوة والهيمنة، حيث يسود “قانون الغاب” على حساب الحق والإنسانية.

تعليقات