التوتر الدولي يتصاعد وسط مواقف أمريكية متباينة

29 مايو 2026 00:12 صباحًا
|

آخر تحديث:
29 مايو 00:12 2026

تمر الولايات المتحدة بأزمة غير مسبوقة منذ صعودها كقوة عظمى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وذلك في سياق توتر العلاقة مع إيران خلال الأشهر الأخيرة. الأزمة لا تكمن في حجم القوة العسكرية أو الاقتصادية والتكنولوجية التي تمتلكها واشنطن، بل تتعلق بشكل رئيسي بتآكل الثقة الدولية بقدرتها على السيطرة والهيمنة على النظام العالمي. فقد بدأت هذه الهيمنة، التي استندت لسنوات طويلة إلى اعتقاد عالمي بشرعية وتأثير الموقف الأمريكي، تدخل مرحلة مراجعة عميقة وإن كانت تقترب من حد الاهتزاز. يبقى السؤال المركزي هنا: هل لا تزال الولايات المتحدة تملك الثقة العالمية نفسها التي كانت تتمتع بها طوال ما يقرب من ثمانية عقود؟ هذه القضية تمثل جوهر “طور الشك العالمي” المنتشر حالياً.

لقد شكّلت المرحلة التي تلت غزو العراق عام 2003 نقطة تحول مهمة في تقييم الدور الأمريكي، إذ كشفت الحملة عن تناقضات كبيرة في مبررات التدخل وأغراضه، خصوصاً بعدما ظهر أن الأسباب التي أعلنها الجانب الأمريكي لم تكن قائمة على حقائق قوية. هذا الواقع دفع المجتمع الدولي إلى مشاهدة الولايات المتحدة كقوة تتصرف بشكل أحادي لا كقائدة موثوقة تحترم المؤسسات الدولية. انتقلت النقاشات من مجرد انتقاد نتائج الأفعال إلى التشكيك في الدوافع والنوايا نفسها، خاصة مع الفجوة الكبيرة بين الخطاب الأمريكي الرسمي الذي يروّج للديمقراطية واحترام الشرعية الدولية، وبين الواقع الذي شهد تفكيك دولة كبيرة خارج إطار الأمم المتحدة. كانت لحظة احتلال العراق محطة محورية في بداية المرحلة التي شهدت تزعزعاً حاداً في الثقة بالقوة الأمريكية كراعٍ للنظام الدولي.

لاحقاً، جاءت عملية الانسحاب من أفغانستان عام 2021 لتزيد من اتساع هذا التصدع، إذ لم تكن مجرد نهاية لحرب استمرت لعقدين، بل كشفت عن ضعف استراتيجي وافتقار للرؤية الواضحة. أثار انسحاب القوات الأمريكية علامات استفهام كبيرة في الأوساط الدولية، حتى بين الحلفاء المقربين، حول مدى استعداد واشنطن للالتزام الطويل الأمد وقدرتها على إدارة المشاريع الاستراتيجية بعقلانية. غلبت على تلك المرحلة مؤشرات على قرارات متسرعة وغير محسوبة، بين احتلال سريع وانسحاب مفاجئ، مع الفشل المستمر في تحويل أفغانستان إلى دولة مستقرة، ليتم في النهاية تسليم السلطة للجهات التي دخلت الولايات المتحدة لمحاربتها.

في الوقت ذاته، لا تزال الولايات المتحدة تحاول تعزيز صورتها التقليدية كقوة عسكرية عظمى، متمسكة بامتلاكها أسطولاً بحرياً وجوياً ضخماً وتقنيات متقدمة، إلى جانب انتشار عسكري في مناطق متعددة عبر القارات، وهو ما كرره الرئيس دونالد ترامب في مناسبات عدة خلال الأشهر الأخيرة. بالمقابل، شهد العالم صعوداً صامتاً للصين، التي رغم قوتها النووية واقتصادها الضخم وثقلها الديمغرافي، لم تتورط في مواجهات عسكرية مباشرة، واتبعت نهجاً دبلوماسياً متزناً وشبكت علاقات تجارية واقتصادية عالمية أوسع من أي وقت مضى.

على النقيض من ذلك، ظهرت مواقف أمريكية لاتزال تصطدم بالآخرين، كما بدا واضحاً في تعامل ترامب مع الرئيس الأوكراني خلال زيارته للبيت الأبيض، إلى جانب الانتقادات الحادة التي وجهها لكبار القادة الأوروبيين، مما يعكس نزعة تصادمية مكشوفة تختلفياً عن السلوك الصيني الدبلوماسي.

في المجمل، لم تفقد الولايات المتحدة مركزها كأقوى جيش في العالم، لكنها بلا شك تراجعت في عنصر الثقة الدولية الذي يمثل ركيزة أساسية لهيمنتها السابقة. هذا التراجع لا يدل فقط على نزول قيمة القوة بحد ذاتها، بل يعلن عن دخول المرحلة التي تصبح فيها قوة الدولة محور تساؤل دائم بدلاً من حقيقة مسلمة، مما يضعها في مفترق طرق تاريخي جديد داخل ساحة النفوذ العالمي.