تباينات عميقة تهدد وحدة التحالف الأوروبي-الأطلسي

29 مايو 2026 00:10 صباحًا
|

آخر تحديث:
29 مايو 00:10 2026

يتكرر التساؤل منذ زمن بعيد في أروقة القرار الأوروبي وعبر الساحات السياسية والشعبية، عن مدى قدرة القارة العجوز على تأمين حاجاتها الأمنية بعيدًا عن الاعتماد على الدعم الأمريكي أو خارج مظلة حلف شمال الأطلسي. هذا السؤال لم يحظ بإجماع، حيث انقسم الأوروبيون بين مؤيد لفكرة استقلال أمني أوروبي ينفصل عن النفوذ الأمريكي، وبين من يرى أن مستقبل الأمن في أوروبا مرتبط بشكل وثيق بالتحالف مع الولايات المتحدة.

تراجع هذا الانقسام تدريجياً مع تصاعد شعور الأوروبيين بالاستهانة والإذلال من قبل واشنطن، خصوصًا منذ التهديدات المتكررة بالانسحاب من الناتو خلال عهد الرئيس دونالد ترامب، التي استمرت وتصاعدت في ولايته الثانية. وبرزت قرارات أمريكية بخفض الوجود العسكري في أوروبا كرسالة رد فعل على رفض بعض الدول الأوروبية المشاركة في مواجهة إيران. ترامب وصف حلف الناتو بـ«نمر من ورق»، مكتفياً بالتلميح إلى إمكانية خروج الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع المشترك، في حين اعتبر وزير دفاعه الحلف بلا قيمة حقيقية نظراً لعدم استعداد الدول الأعضاء للدعم المشترك عند الحاجة.

في الآونة الأخيرة، تصاعدت الانتقادات الأمريكية بشكل واضح، إذ أكد وزير الخارجية ماركو روبيو، عشية اجتماع لحلف الناتو في السويد، أن عضوية واشنطن في أي تحالف يجب أن تحقق مصالحها، مشيراً إلى أن القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا تمثل مكسباً حيوياً يسمح بنشر القوات بسرعة في مناطق الأزمات، خاصة في الشرق الأوسط.

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية تقليص عدد ألوية القوات المتمركزة في أوروبا من أربعة إلى ثلاثة، ما يظهر تصاعد الضغط على الدول الأوروبية لتقوية دفاعاتها الذاتية وسط تقليص الدعم الأمريكي.

وتجاوز التوتر حدود أوروبا ليطال كندا، بعد قمة «المجموعة السياسية الأوروبية» التي شهدت مشاركة رئيس وزرائها. إذ قررت الولايات المتحدة تعليق التعاون مع كندا في مجلس الدفاع المشترك الدائم، الهيئة التي تعود لإنشائها قبل 86 عاماً لتنسيق الشؤون الدفاعية، مما يعكس تصاعد التوتر بين الجارين بعد تصريحات ترامب التي ألمحت إلى ضم كندا إلى الولايات المتحدة كولاية جديدة.

تعكست هذه التطورات في خطة أوروبية طارئة، ذكرت تقارير صحفية أنها تهدف إلى ضمان قدرة القارة على حماية نفسها باستخدام الهياكل العسكرية للناتو إذا ما قررت واشنطن الانسحاب أو الامتناع عن تقديم الدعم. وقد حظيت هذه النسخة البديلة بدعم واضح من ألمانيا، التي أصبحت أكثر نشاطاً في محاولة تأمين استقلال أمني أوروبي.

الأمر لم يكن بريئاً على الساحة السياسية الألمانية، حيث تصاعدت الانتقادات للسياسة الأمريكية على لسان المستشار فريدريش ميرتس، الذي تحدث بصراحة عن إهانة أمريكا في مفاوضات إيران، وتلاعب طهران بالولايات المتحدة. رداً على ذلك، وصف الرئيس ترامب تصريحات ميرتس بأنها غير مفهومة ولا تعكس الواقع.

زاد التوتر بين واشنطن وبروكسل بعد أن ألمح ترامب إلى إمكانية تقليص أو سحب القوات الأمريكية من ألمانيا، وكذلك من إسبانيا وإيطاليا، كرد فعل على المواقف الأوروبية المتحفظة أو الرافضة للحرب على إيران. يرى الأوروبيون في هذه التهديدات تحويلاً لوجود القوات الأمريكية من عنصر ردع استراتيجي إلى أداة للضغط السياسي والعقوبات على الحكومات التي لا تتماشى مع رغبات واشنطن.

هذا الانقسام المتزايد من شأنه أن يوسع الشرخ بين الطرفين، ويجعل التحالف داخل الناتو يفقد جوهره الحقيقي، وفي الوقت نفسه يدفع أوروبا نحو بناء منظومة أمنية مستقلة تهدف إلى حماية مصالح القارة دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.