كتاب صدر مجلده الاول عام 1776، في نفس السنة التي اعلنت فيها الولايات المتحدة استقلالها، هو ما استعاده المؤرخ الامريكي تشارلز كينغ في قراءة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، حسب ما رصد موقع الجزيرة نت، والكتاب هو تاريخ انحطاط وسقوط الامبراطورية الرومانية للمؤرخ البريطاني ادوارد غيبون، ومحور القراءة سؤال واحد، ماذا يمكن ان يقوله سقوط روما عن وضع امريكا اليوم.
يرى كينغ ان قيمة غيبون لا تكمن في سرده لتفاصيل سقوط روما بقدر ما تكمن في الاسئلة الكبرى التي طرحها عن مصير الحضارات، ولماذا تتراجع الامم، وكيف تحافظ على انجازاتها قبل ان تتحول الى ذكريات فقط، وهذا ما جعل الكتاب مرجعا يعاد فتحه كل مرة تواجه فيها امريكا لحظة تساؤل عن مكانتها.
استشهد الكاتب بالمؤرخ هنري ادامز الذي قال ان استبدال كلمة روما بكلمة امريكا يجعل اسئلة غيبون تلامس الحاضر السياسي الامريكي مباشرة، وهذه القراءة لم تكن جديدة، فالمجلد الاول من كتاب غيبون رافق لحظة تاسيس الجمهورية الامريكية نفسها، وهو ما اعطاه حضورا خاصا عند المفكرين والقادة الذين وجدوا في تجربة روما مادة للتفكير في مستقبل بلادهم الوليدة.
خداع الذات سبب السقوط

من افكار غيبون المحورية، ان سقوط الحضارات لا يحدث بشكل مفاجئ، بل يبدا غالبا عندما تفقد المجتمعات قدرتها على رؤية التحولات التي تجري بداخلها، وحسب تفسير كينغ لهذه الفكرة، فان المشكلة الاكبر هي خداع الذات، حين تتمسك الشعوب بعادات وقوانين ومؤسسات قديمة بعد ان تغيرت الظروف التي انتجتها اصلا، فتجد نفسها عاجزة عن التكيف عندما تتكشف الازمة بوضوح.
ويشدد المقال على ان غيبون لم يقدم التاريخ كسلسلة قواعد جاهزة او دروس نهائية، بل وسيلة لتنمية التفكير النقدي وتعديل المواقف كل ما ظهرت ادلة جديدة، فقراءة الماضي عنده لا تهدف لتاكيد ما نعتقده مسبقا، وانما لاختباره ومراجعته، لان التاريخ في اغلب الاحيان يخالف توقعات البشر ويفضح تعقيد الواقع.
تحول كتاب غيبون على مدار عقود الى ساحة لتفسيرات سياسية متعارضة، فرآه بعضهم دفاعا عن التسامح، ورآه اخرون تحذيرا من الاستبداد او الهجرة او تراجع القيم التقليدية، لكن الرسالة الاساسية التي يخرج بها كينغ من الكتاب هي رفض استخدام التاريخ كاداة لتاكيد مواقف مسبقة، والدعوة الى التعامل معه كمجال لفهم التغير الانساني لا كمخزن امثلة يخدم كل طرف سياسي حسب مصلحته.
توقف الكاتب عند شخصية غيبون نفسه، فصاحب واحد من اعظم كتب التاريخ لم يكن رجل سلطة ولا شخصية واثقة كما قد يتخيل القارئ، بل كان رجلا عانى من المرض وضعف الثقة بالنفس وبعض الاعاقات الجسدية، ومع كل هذا انتج عملا استثنائيا بفضل دقته العلمية وقوة اسلوبه واعتماده الصارم على البحث والمصادر، ليصبح من اكثر المؤرخين تاثيرا في الفكر الغربي حتى اليوم.
حضور في تاسيس الجمهورية الامريكية
يوضح المقال ان كتاب غيبون كان له تاثير مباشر على مؤسسي الولايات المتحدة الاوائل، فقد استفاد منه الرئيس الرابع جيمس ماديسون اثناء اعداده للاوراق الفيدرالية، واهتم به الرئيس السادس جون كوينسي ادامز، بينما امتلك توماس جيفرسون، كاتب اعلان الاستقلال، نسخة منه ضمن مكتبته الشخصية، وهذا الاهتمام يعكس وعي الجيل المؤسس باهمية دراسة تجارب الامبراطوريات السابقة لفهم مخاطر السلطة والانقسام السياسي.
حذر كينغ في اسقاطه على الحاضر من الميل الى رؤية اللحظة الراهنة باعتبارها عصرا ذهبيا لا مثيل له، او على النقيض مرحلة انهيار غير مسبوقة، فكلا الموقفين يقود الى سوء تقدير الواقع، والتاريخ وفق قراءة غيبون يمنح الانسان التواضع اللازم لفهم ان كل نظام سياسي وحضاري يمر بمراحل من التحول، وان الاستمرار يحتاج قدرة على التعلم والتكيف مع تلك المراحل.
يخلص المقال الى ان الرسالة الاهم في ميراث غيبون ليست ان امريكا ستكرر بالضرورة تجربة روما، بل ان كل الحضارات تواجه التحدي نفسه، وهو كيف تنقل قيمها وانجازاتها للاجيال القادمة مع الاقرار بان هذه الاجيال ستغيرها لا محالة، فالتاريخ لا يقدم ضمانات للمستقبل، لكنه يمنح البشر فرصة لفهم اخطائهم وتجنب الغرور.
