ثلاثة ملايين وثمانمئة الف شجرة مثمرة دمرها الاحتلال الاسرائيلي في اراضي غزة الزراعية، بينها نحو مليون وستمئة الف شجرة زيتون تحتاج الى عقود طويلة لاستعادة انتاجيتها، هذا ما كشفه الدكتور فاضل الزعبي، خبير الامن الغذائي والمستشار الاقليمي للسياسات في منظمة الاغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة الفاو، في قراءته لابعاد الخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي في غزة خلال الحرب.
ويستند الزعبي الى بيانات موثقة من الفاو ومركز الامم المتحدة للاقمار الصناعية، تفيد بتضرر 87% من الاراضي الزراعية و87% من الابار الزراعية و80% من البيوت المحمية، ويقول ان قطاعا كان يوفر سبل العيش لنحو 560 الف شخص اصبح عاجزا الى حد كبير عن الانتاج.
في منطقة الشيخ عجلين بمدينة غزة، يستعيد المزارع ابو فارس عبر صور محفوظة في هاتفه مشاهد ارضه قبل الحرب، حين كانت المنطقة تشتهر بكروم العنب واشجار التين والمحاصيل الموسمية، وكانت وجهة للغزيين بفضل وفرة انتاجها الزراعي.
ويؤكد ابو فارس، في تقرير اعده مراسل الجزيرة غازي العلول من مدينة غزة، ان عمليات التجريف الواسعة حولت المنطقة الى ارض قاحلة بعدما كانت مصدرا للرزق والغذاء لآلاف العائلات، والارض التي كانت تنتج اصنافا متعددة من الخضراوات والفاكهة فقدت معظم مقوماتها الزراعية.
ولا تبدو قصته استثناء، فمزارعون آخرون يواصلون محاولات اعادة احياء اراض تضررت بشدة خلال الحرب، وبالنسبة لكثيرين منهم لم تعد الزراعة مجرد مصدر دخل، بل شكلا من اشكال التمسك بالارض ومقاومة اثار الدمار.
ويوضح المزارع ابو محمد للجزيرة ان الاراضي التي اشتهرت لعقود باشجار العنب والتين فقدت قدرتها الانتاجية بعد التجريف، مشيرا الى ان المزارعين يواجهون صعوبات كبيرة في توفير المياه ونقلها، لكنهم يواصلون العمل امل في استعادة الاشجار والمحاصيل التي اشتهرت بها المنطقة.
تراجع الانتاج الزراعي بنسبة تتجاوز 90%

وتشير بيانات المكتب الاعلامي الحكومي في غزة الى ان اسرائيل دمرت اكثر من 94% من الاراضي الزراعية البالغة مساحتها نحو 178 الف دونم، ما ادى الى انهيار الانتاج الزراعي من 405 آلاف طن سنويا الى نحو 28 الف طن فقط.
وتؤكد تقارير الفاو ان المساحات المتاحة للزراعة انخفضت الى اقل من 5% بعد الحرب، بينما اصبحت معظم الاراضي الزراعية مدمرة او يتعذر الوصول اليها، وفق ما اعلنته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الاونروا في اكتوبر 2025.
وتتزامن جهود المزارعين مع ازمة حادة في مستلزمات الانتاج الزراعي، فالقطاع يعاني من نقص الاسمدة والبذور والمبيدات وتباطؤ دخول المعدات، وهذا اسهم في تراجع الانتاج بصورة كبيرة، وفق معطيات وزارة الزراعة في غزة.
وعلى مدى سنوات الحصار الاسرائيلي المفروض على القطاع منذ عام 2007، واجه المزارعون قيودا متكررة على الوصول الى الاراضي القريبة من السياج الفاصل، والتي شكلت تاريخيا جزءا مهما من السلة الغذائية للقطاع، قبل ان تتفاقم الاضرار خلال الحرب الحالية بفعل التجريف وتدمير البنية الزراعية.
هندسة الجوع وعجز التمويل
يقول الزعبي ان ما جرى ليس ضررا جانبيا، بل استهداف مباشر لمنظومة الغذاء بأكملها في قطاع غزة، ويضيف ان نمط الدمار يكشف استهدافا ممنهجا شمل الآبار وشبكات الري ومخازن الحصاد والثروة الحيوانية والاشجار المعمرة.
ويرى ان تدمير هذه المقومات لا يقتصر اثره على خسائر اقتصادية مباشرة، بل يؤدي الى تجفيف مقومات البقاء ودفع السكان نحو الاعتماد المتزايد على المساعدات الغذائية، وهذا ما يصفه الزعبي بصناعة التبعية الغذائية عبر اضعاف القدرة المحلية على الانتاج.
وفي موازاة ذلك، تواجه جهود التعافي الزراعي عقبة التمويل، فالفاو اطلقت نداء عاجلا لتوفير 75 مليون دولار لدعم المزارعين بالبذور والاعلاف ومعدات الري ومدخلات الانتاج الاساسية، غير ان التمويل المتحقق لم يتجاوز 10% من هذا المبلغ حتى الآن.
ويعزو الزعبي هذا العجز جزئيا الى تراجع اولويات المانحين الدوليين في اطل ازمات عالمية متلاحقة، وهذا انعكس على حجم الموارد المخصصة لدعم القطاع الزراعي في غزة، رغم اتساع فجوة الاحتياجات الانسانية والغذائية.
ومع استمرار القيود ونقص التمويل واتساع رقعة الدمار، يواصل مزارعو غزة محاولاتهم احياء ما تبقى من اراضيهم، بين حقول فقدت اشجارها وآبار خرجت من الخدمة.
