كشف الخبير التعليمي رفعت فياض أن الأسر المصرية تدفع نحو 80 مليار جنيه سنويا من جيوبها على الدروس الخصوصية، في تقدير يعكس حجم أزمة تعليمية تفاقمت خلال السنوات الأخيرة حتى تحولت من ظاهرة هامشية إلى نظام موازٍ يتحكم في مصير الطلاب.
وأوضح فياض خلال لقاء تليفزيوني أنه لا يقصد تعميم الحكم على كل معلمي مصر، فهناك معلمون شرفاء يؤدون رسالتهم كما ينبغي، لكنه في المقابل لا يجد وصفا لما وصلت إليه ظاهرة السناتر التعليمية سوى أنها سرطان حقيقي في جسد العملية التعليمية.
سناتر بلا تربية ولا رسالة
يرى فياض أن الخطر الأكبر لهذه السناتر لا يكمن في تكلفتها المادية فقط، بل في إفراغ التعليم من محتواه الحقيقي. وقال إن هذه المراكز لا تقدم ثقافة أو تنشئة أو تربية أو توجيها، ولا تشكل وجدان الطالب بأي شكل، لأن دور المعلم هناك ينحصر في تدريب الطالب على الإجابة عن الأسئلة بشكل مباشر، كأنها كبسولة سريعة يتناولها الطالب ثم ينتهي الأمر.
وأضاف أن علاقة هؤلاء المعلمين بمجموعاتهم تنتهي بانتهاء وقت الحصة، ولا يهمهم بعد ذلك سوى أمر واحد، وهو عداد الأموال وعدد الطلاب في كل مجموعة. هذه العبارة تلخص بدقة كيف تحول التعليم عند بعضهم إلى تجارة بحتة بعيدة عن أي رسالة تربوية.
جذور الأزمة تعود إلى عام 1967
لم تنشأ هذه الظاهرة بين ليلة وضحاها، بحسب فياض، بل تعود جذورها إلى فترة ما بعد حرب 1967، حين اضطرت الدولة إلى التوقف عن التوسع في بناء المدارس الجديدة، لتوجه موازناتها نحو المجهود الحربي بدلا من التعليم.
وأدى ذلك إلى ظهور نظام الفترات المتعددة داخل المدرسة الواحدة، حيث ظهرت الفترة الثانية والثالثة لاستيعاب أعداد الطلاب المتزايدة في مبانٍ محدودة. ومع هذا النظام تراجعت جودة التعليم الفعلي داخل الفصول، فبدأ أولياء الأمور يبحثون عن بديل يعوض هذا القصور، فاتجهوا تدريجيا إلى التعليم الخاص والدروس الخصوصية. ومع مرور السنوات تحول هذا الاتجاه من حل استثنائي إلى قاعدة عامة، حتى تفاقم الوضع بشكل غير مسبوق في السنوات الأخيرة.
80 مليار جنيه.. أين تتركز الأموال
الرقم الذي كشفه فياض، وهو نحو 80 مليار جنيه سنويا، يعكس حجم إنفاق ضخم يخرج من جيوب الأسر المصرية خارج أي إطار رسمي للتعليم. وأشار إلى أن هذا الإنفاق يبدأ فعليا منذ مرحلة رياض الأطفال والابتدائي، وهو مؤشر على أن القلق من جودة التعليم لم يعد مقتصرا على المراحل النهائية فقط.
لكن الجزء الأكبر من هذه الأموال، كما أوضح، يتركز في مرحلة الثانوية العامة، لأنها تمثل عنق الزجاجة الذي يحدد مصير الطالب ومستقبله الجامعي. هذا التركز المكثف من الإنفاق في سنة واحدة يفسر جزئيا كيف تحولت بعض المراكز التعليمية إلى مشاريع تجارية ضخمة، بينما تراجع الاهتمام بالمدرسة كمصدر أساسي للتعليم.
مدارس فارغة وسناتر تتحكم في المستقبل
النتيجة الأخطر لهذا المسار، بحسب فياض، تراكمت على مدى الثلاثين عاما الماضية، حيث نجح بعض المعلمين المستغلين لهذه الظاهرة في تحويل المدارس الحكومية والخاصة إلى مبانٍ خاوية، بعد أن هجرها المعلم والطالب معا بحثا عن السناتر. وبهذا الشكل، أصبحت هذه المراكز هي المتحكم الفعلي في مصير الطلاب ومستقبلهم، بدلا من المدرسة التي يفترض أن تقوم بهذا الدور.
تقييم إيجابي لقرارات وزير التربية والتعليم
على الجانب الآخر، أشاد فياض بالإجراءات التي اتخذها وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف خلال السنتين الأخيرتين، واصفا ما تم تحقيقه بأنه إنجاز غير مسبوق مقارنة بما سبقه من سنوات طويلة من التراخي.
وأوضح أن الوزارة نجحت في تقليص نحو 50 في المئة من وقت الدروس الخصوصية، عبر إلزام المعلم والطالب بالبقاء داخل المدرسة حتى فترة العصر. هذا الإجراء وحده، حسب تقديره، حرم السناتر من إمكانية استقطاب الطلاب طوال فترة الصباح، وهي الفترة التي كانت تمثل النشاط الأكبر لهذه المراكز قبل تطبيق القرار.
