حين تسقط منظومة دفاع جوي روسية او صينية في معركة خارج حدود موسكو وبكين، هل يعني ذلك ان السلاح نفسه فاشل، هذا هو السؤال الذي يطرحه تقرير نشره موقع الجزيرة نت بتاريخ 13 يوليو 2026، مستندا الى وقائع تمتد من حرب كوسوفو سنة 1999 حتى عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير 2026.
يخلص التقرير الى ان جزءا كبيرا من الدول التي تستورد اسلحة روسية او صينية لا تحصل على النسخ الكاملة التي تستخدمها الجيوش المصنعة نفسها، بل على نسخ تصديرية محدودة القدرات، وذلك بهدف الحفاظ على فجوة تفوق لصالح الدول المصنعة، ومنع تسرب المعرفة التشغيلية الكاملة الى الخارج، وبخاصة للخصوم المحتملين.
يستدل التقرير على ذلك بواقعة استحوذت فيها الولايات المتحدة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، على مكونات كاملة من منظومات دفاع جوي سوفياتية من بيلاروسيا لاغراض التقييم والتجربة، وهي خطوة اتاحت لواشنطن دراسة نقاط القوة والضعف في تلك المنظومات عن قرب.
ماذا حدث في سماء بلغراد عام 1999

يروي التقرير واقعة اسقاط مقاتلة اميركية شبحية من طراز اف-117 نايت هوك في مساء 27 مارس 1999، فوق سماء صربيا، ضمن غارات حلف شمال الاطلسي لدفع القوات الصربية للانسحاب من كوسوفو، وكانت هذه المقاتلة اول طائرة شبحية عملياتية في التاريخ، وجسدت وقتها ذروة الثقة الاميركية في تفوقها التقني بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
في المقابل كانت تربض في محيط بلغراد بطارية صواريخ من طراز اس-125 نيفا، المعروفة لدى الناتو باسم سام-3، وهي منظومة سوفياتية تعود الى ستينيات القرن الماضي، صممت لاعتراض الطائرات على ارتفاعات منخفضة الى متوسطة، وبدت بمقاييس عام 1999 اداة من زمن مضى في مواجهة اسلحة اميركية حديثة.
ويشير التقرير الى ان الضابط الصربي الذي قاد البطارية ادرك ان تشغيل الرادار بشكل مستمر يمنح الطائرة الشبحية فرصة لرصد اشعاعه وتحديد موقعه، فاختار تشغيل الرادار لثوان قليلة فقط ثم اغلاقه، وكرر ذلك عدة مرات مع تغيير موقعه بين وقت واخر، وقد وصف التقرير هذا التكتيك بانه شبيه باضاءة مصباح يدوي في الظلام للحظة قصيرة قبل اطفائه فورا.
هذه الومضات الرادارية القصيرة كانت كافية لالتقاط صدى ضعيف للمقاتلة، خصوصا عند تكرار مرورها في المسار نفسه، وهو ما مكن الضابط من تقدير اتجاهها وارتفاعها تقريبيا، وتهيئة الصاروخ للاطلاق في اللحظة المناسبة، فسقطت المقاتلة الشبحية.
يوضح التقرير ان اسقاط هذه المقاتلة لا يشكل حكما مطلقا بفشلها، ولا يعد انتصارا تقنيا لمنظومة دفاعية قديمة، بل هو نتيجة خبرة ضابط عرف كيف يستخدم اداته المتاحة على افضل وجه، وينبه التقرير الى ان التعامل مع هذه الحادثة كمعيار مطلق لتفوق تقنية على تقنية اخر يقود الى استنتاج مضلل، وهو خطا يتكرر اليوم كل مرة تنهزم فيها منظومة روسية او صينية في بيئة تشغيل ضعيفة.
من حرب الخليج الى اختطاف مادورو
يستعرض التقرير عددا من الوقائع التي رسخت سردية تفوق الاسلحة الغربية على نظيراتها الشرقية، ابرزها حرب الخليج الثانية عام 1991، حين دمرت القوات الاميركية وقوات التحالف الدولي مئات الدبابات العراقية من طراز تي-72 سوفياتية الصنع، وحيدت شبكة الدفاع الجوي العراقية المبنية اساسا على منظومات سوفياتية.
ويضيف التقرير واقعة اقرب زمنيا، هي عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير 2026، حيث فشلت بعض مكونات شبكة الرصد الجوي الفنزويلية، بما فيها رادارات صينية، في اكتشاف الاهداف الجوية الاميركية.
لكن التقرير يشدد على ان هذه السردية تتجاهل اختلال شروط المعارك وسياقات تشغيل تلك الاسلحة، فالمشكلة غالبا لم تكن في السلاح نفسه، بل في ضعف العقيدة التشغيلية لدى الجيوش المستخدمة، والمقصود بها الطريقة التي يفكر بها الجيش في دمج الاسلحة المختلفة من طيران ودبابات ومنظومات دفاع جوي واستطلاع وحرب الكترونية ضمن خطة واحدة متكاملة.
ويلفت التقرير الى ان دولة تمتلك منظومات جيدة لكنها تشغلها من دون تكامل بين الفروع العسكرية او من دون قيادة فعالة، تتحول هذه المنظومات لديها الى قدرات معزولة يسهل تحييدها، ويضاف الى ذلك ضعف التدريب والجاهزية البشرية في بعض الجيوش، وغياب التكامل العملياتي بين الاسلحة المختلفة.
ويختم التقرير هذا الجانب بالاشارة الى عامل اخر يتدخل في اداء النسخ التصديرية، وهو مدى تكاملها مع المنظومة العسكرية التي تعمل داخلها، فالجيوش التي تطور هذه الاسلحة وتستخدمها تربط رداراتها ومراكز استطلاعها وقيادتها واتصالاتها ضمن شبكة واحدة تتبادل المعلومات لحظة بلحظة.
