تُوجت واحدة من أطول المعارك القانونية وأكثرها تعقيداً ضد الشركات متعددة الجنسيات بتسوية تاريخية خارج القاعة القضائية بلغت قيمتها 150 مليون دولار.
جاءت هذه التسوية لصالح 1,300 مواطن بيروفي تعرضوا لتسمم معدني حاد جراء التلوث الصادر عن أحد أكبر مجمعات الصهر في جبال الأنديز، وهو إنجاز قانوني وإنساني يفتح باب المساءلة الدولية للشركات العابرة للحدود.
اقرأ أيضا: مجرم بحسن نية.. عصابة توهم شاباً بوظيفة مغرية وتستغله في جرائم احتيالية
تقع بلدة لا أورويا في مرتفعات جبال الأنديز ببيرو، وتحولت على مدار عقود إلى واحدة من أكثر مناطق العالم تلوثاً وتضرراً بيئياً؛ فقد أدرج معهد “بليدسميث” الأمريكي (المعروف حالياً بـ “بيور إيرث”) البلدة في عام 2007 رسمياً ضمن قائمة أكثر 10 أماكن تلوثاً على وجه الأرض، مما وضع القضية في إطار كارثة بيئية عالمية وليست مجرد مشكلة محلية.
وفي عام 1997، استوذت شركة “دو ران” (Doe Run) التابعة لمجموعة “رينكو” (Renco Group) على مجمع الصهر المتعدد المعادن في البلدة، ما أدى إلى كارثة صحية مدمرة؛ وبحسب دراسة أجراها مكتب الصحة البيئية في بيرو عام 2004، فإن ما يقرب من 100% من الأطفال دون سن السادسة في البلدة كانت لديهم مستويات رصاص في الدم تتجاوز 10 ميكروغرامات لكل عشري لتر، وهي مستويات خطيرة تثبت الأثر العصبي المدمر وتسبب ضعف النمو وانخفاض معدلات الذكاء إلى جانب تراكم الزرنيخ والكاديوم وثاني أكسيد الكبريت.
صمود باريتو
قاد الحملة الحقوقية والإنسانية للدفاع عن الضحايا الكاردينال بيدرو باريتو، رئيس أساقفة هوانكايو السابق، والذي خاض نضالاً شرساً استمر نحو 20 عاماً.
واجه باريتو موجات من التهديدات المباشرة بالقتل والمضايقات العلنية من موظفي المصهر والمدافعين عن بقاء الوظائف على حساب الصحة العامة، لكنه اعتبر التسوية معلماً تاريخياً، مؤكداً في الوقت ذاته أن الأموال لا يمكن أن تعوض الأضرار الجسيمة والعصبية التي لحقت بالأطفال طوال حياتهم.
بدأت خيوط القضية في عام 2007 كدعوى أمام محاكم الولايات الأمريكية نيابة عن 17 طفلاً بيروفياً فقط، لتتطور تدريجياً وتتحول إلى قضية فدرالية كبرى تضم 1,373 من المدعين.
اقرأ أيضا: 704 ملايين درهم أرباح “سالك” في النصف الأول
قاد مكتب المحاماة “شليشتر بوغارد” (Schlichter Bogard) بقيادة جيري شليشتر معركة قانونية وُصفت بأنها مواجهة صعبة ضد مالك الشركة الملياردير الأمريكي إيرا رينرت (البالغ من العمر 92 عاماً، والذي بنى إمبراطوريته من سوق السندات ذات العائد المرتفع في الثمانينيات، وقدرت مجلة “فوربس” (Forbes) ثروته بنحو 3.8 مليار دولار أو 2.8 مليار جنيه إسترليني، مما أبرز حجم التفاوت الهائل وصعوبة المعركة أمام عملاق تجاري بهذا الحجم).
وعلى الرغم من محاولات وزارة العدل الأمريكية وفريق الدفاع للضغط من أجل تحويل القضية إلى القضاء البيروفي لإجهاضها، تصدى المحامون بحزم مؤكدين أن نقل القضية إلى بيرو يعني حرمان الأطفال من أي تعويض عادل.
نقطة تحول
وصف محامي المدعين جيري شليشتر هذه المعركة القانونية بأنها سجل استثنائي وواحدة من أطول القضايا في نظام المحاكم الفدرالية الأمريكية ضد شركة متعددة الجنسيات، حيث استغرقت 19 عاماً وتطلبت إنفاق عشرات الآلاف من ساعات المحامين في مواجهة خمس شركات قانونية وطنية كبرى. وشملت التسوية النهائية 1,373 مدعياً أصبحوا اليوم شباباً بالغين، حيث من المنتظر أن يحصل كل منهم على تعويض لا يقل عن 100,000 دولار ليغير مسار حياتهم جذرياً، معتبرًا إياها نقطة تحول تاريخية تثبت قدرة مواطنين أجانب في دولة نامية على مقاضاة ومحاسبة شركات أمريكية كبرى. وفي المقابل، حاولت شركة “دو ران” عبر رئيسها التنفيذي مات وول طي الصفحة والتركيز على إدارة الأعمال والالتزام والتكنولوجيا الجديدة، متجنبة الاعتراف الرسمي بالمسؤولية القانونية أو الأخلاقية المباشرة عن الأضرار.
اقرأ أيضا: 4080 شركة هندية مسجلة في «دبي للسلع المتعددة» بنمو 9 %
