للفيلسوف «أرسطو» عبارة طريفة ودالة، تقول: إن «الإنسان حيوان سياسي»، وتنبهنا هذه العبارة إلى حقيقة أعمق، أن السياسة لا تبدأ من السحاب، إنما تجد جذورها الحقيقية فى تراب الشارع وبين الناس؛ من هذا المنطلق الفلسفى، تطرح انتخابات المحليات المتوقعة سؤالا يتجاوز مجرد إجراء تنظيمى أو استحقاق دستوري: هل يمكن لبناء ديمقراطى أن يستقيم دون حجر أساس متين فى القاعدة، فى الشارع العام؟.
من هنا تنبع الأهمية الدائمة لدعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى «المتكررة» إلى الأحزاب والقوى السياسية؛ للعمل على تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والانتهاء من الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية، بما يرسخ المشاركة الشعبية ويعزز دورها فى الإدارة المحلية.
اقرأ أيضا: عشر سنوات على بدء مشروع العاصمة الجديدة
إن انتخاب المجالس المحلية يُعيد توزيع اللامركزية فى شرايين الجسد الوطنى، يمنح المجتمعات المحلية القدرة على صياغة أولوياتها بنفسها. إنها فلسفة «المشاركة فى صنع القرار» التى تجعل المواطن شريكا فى البناء وتحمل المسئولية، بدلا من أن يكون متلقيا سلبيا أو ناقدا غاضبا أحيانا- دون وعي- فى الفضاء الإلكترونى.
يؤمن الرئيس بأن المجالس المحلية هى الرحم الطبيعى والتجربة الميدانية الأولى التى تتشكل فيها الكوادر السياسية الشابة، لذلك يحرص دوما على تأكيد ضرورة إثراء الحياة السياسية والدفع بالتجربة الديمقراطية نحو الأمام؛ ولا شك فى أننا بحاجة ماسة إلى الاستفادة من هذه «الدعوة الرئاسية»، وربما أقول إننا نحتاج إلى مراجعة شاملة للحياة الحزبية، خاصة فى ظل وجود نحو 104 أحزاب، يحظى عدد قليل منها بتواجد حقيقى فى الشارع السياسى.
وعلينا أن نسارع لتصويب الأمر؛ أن ندرك أن قطار التنمية لا ينتظر أحدا على رصيف الأحلام، وأننا لا نمتلك رفاهية التفريط فى الوقت، ونحن نحث الخطى إلى أعتاب مستقبل واعد، برغم أننا نعيش فى منطقة تمر بمتغيرات وتوترات حادة على جميع الأصعدة.
بالتالى من المهم أن تتحرك الأحزاب التى لها وجود فى الشارع السياسي؛ من أجل الإعداد لاستحقاق انتخابى مهم، يتمثل فى انتخابات المجالس المحلية؛ لأن هذا الاستحقاق فى حقيقة الأمر لن تصلح معه أحزاب لا وجود لها فى حياتنا الحزبية. وقد آن الأوان لأن تقف الأحزاب وقفة صادقة مع نفسها، أن تعيد ترتيب حساباتها، وتمنح قضية تأهيل الكوادر السياسية والشبابية المزيد من الاهتمام؛ فهم- بحق- أهم مرتكزات المستقبل الذى يصنعه أبناء مصر، بدعم الرئيس القائد الحريص على دفع الشباب دوما؛ ليخطو بمستقبل أمته، واثقا بقدراته، متحديا كل الصعاب والعقبات.
يؤكد الرئيس السيسي- على الدوام- أن شباب اليوم هم أمل الحاضر والغد معا؛ بما يملكون من مقومات صناعة المستقبل فى «جمهورية جديدة»، تستوعب كل الكفاءات والآراء والمقترحات من كل أبناء الوطن.
وإذا كنا نتطلع إلى ما ستقوم به الأحزاب بكوادرها وبرامجها، خلال الفترة المقبلة، فإننا ندعو إلى انخراط الأحزاب فى العمل عن قرب مع المواطنين فى المحافظات والمدن والأحياء والمراكز والقرى والنجوع، عبر شراكة تنموية ومشاركة مجتمعية، ومن خلال برامج وسياسات فاعلة للأحزاب تطرح حلولا لمشكلات، أو تسهم فى تقديم رؤى واضحة، واستراتيجيات تعاون الدولة فى استكمال مسيرة البناء والتنمية، حتى تتزايد أعداد الأحزاب القوية التى تثرى الحياة السياسية المصرية، وتسهم بالتبعية فى إثراء الديمقراطية، وخلق نموذج مصرى يكون محل احترام الجميع قدر احترامهم لمصر الكبيرة.
اقرأ أيضا: الاحتلال الإسرائيلي يوسع حملات الدهم والاعتقال في قلنديا وكفر عقب
وفى هذا السياق، ربما يكون من المناسب إعادة الحديث عن فكرة اندماج الأحزاب الصغيرة، أو توحيد رؤى وأيديولوجيات أحزاب متماثلة؛ بما ينتج عنه تقليل عددها وتقوية حضورها، وتعزيز قدرتها على طرح برامج واقعية تنافسية، تمنح التجربة زخما كبيرا، نستطيع أن نجنى ثماره فى الشارع السياسى. وأحسب أن الإجازة البرلمانية الراهنة قد تكون فرصة جيدة للأحزاب السياسية؛ لتعيد تصويب أوضاعها؛ بما يتسق مع المستجدات التى تسير فى ركابنا، والتحديات التى تحيط بالوطن من جميع الاتجاهات الاستراتيجية، وكما قلت من قبل فإن الوقت لا يسمح لنا بأن ننتظر.
إننى أتطلع إلى أن تغتنم الأحزاب جميعها فرصة «الدعوة الرئاسية»؛ وتتحرك بصدق من أجل حياة حزبية وسياسية، تليق بدولة كبيرة بحجم مصر يتجاوز عمرها آلاف السنين، وتتطلع إلى مستقبل أفضل يضعها فى مكانتها التى تستحقها بين الأمم.
إن الانتخابات المحلية القادمة تتعدى كونها ورقة تُلقى فى صندوق اقتراع؛ إلى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمكان؛ وضمان وصول صوت الشارع إلى دوائر القرار، وتكريس التنمية الشاملة التى تعمل الدولة على إكمال مسيرتها؛ حتى يدرك المواطن أنه يملك القدرة، من خلال انتخابات المحليات، على تحسين واقعه، وبالتالى يصبح صندوق الاقتراع جسرا متينا صوب المستقبل المنشود!.
أحسب أن الأجازة البرلمانية الراهنة قد تكون فرصة جيدة للأحزاب السياسية؛ لتعيد تصويب أوضاعها؛ بما يتسق مع المستجدات التى تسير فى ركابنا، والتحديات التى تحيط بالوطن من جميع الاتجاهات
اقرأ أيضا: الصين تدعو إلى توفير الحماية للمدنيين والعاملين الإنسانيين في جنوب السودان
