أحد المؤشرات المهمة على وجود مشروع تنموى كبير فى دولة ما هو وجود عدد من المشروعات الضخمة التى يجرى تنفيذها بشكل مخطط ومتزامن فى مرحلة زمنية محددة. وجود مشروع كبير فى دولة ما لا يُعد مؤشرا حاكما وكافيا للحديث عن وجود مشروع تنموي؛ إذ من الضرورى ليس فقط وجود عدد معتبر من المشروعات القومية الكبيرة، لكن من المهم أيضا تنوع هذه المشروعات، وتوزيعها على أكبر عدد من أقاليم الدولة، وعلى مختلف القطاعات، على نحو يؤسس لتغييرات حقيقية فى هيكل الاقتصاد، والتوزيع الديموغرافى، وخلق نمط جديد من العلاقة بين السكان وجغرافية الدولة، وبين السكان والاقتصاد، وتغيير مصادر النمو الاقتصادى، وإحداث تحولات اجتماعية…إلخ.
مصر تشهد منذ عام 2014 عددا كبيرا من المشروعات القومية المهمة، تتوزع على معظم الأقاليم المصرية، وتشمل مختلف القطاعات الاقتصادية، على نحو يضع مصر بين الدول التى تدير مشروعا تنمويا كبيرا يؤهلها لتحقيق انطلاقة اقتصادية، وإعادة تصنيف الاقتصاد المصرى ليصبح واحدا من بين الاقتصادات الناشئة الجديدة داخل الاقتصاد العالمى.
كان من بين هذه المشروعات مشروع العاصمة الجديدة، التى أُعلن عنها خلال مؤتمر «دعم وتنمية الاقتصاد المصرى» بمدينة شرم الشيخ فى مارس 2015، وبدأ تنفيذها فعليا بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 57 لسنة 2016. ومن المخطط أن تستوعب العاصمة الجديدة باكتمالها حوالى 6٫5 مليون نسمة.
قرار إنشاء عاصمة جديدة ليس اختراعا مصريا؛ فقد قامت دول عدة بإنشاء عواصم جديدة، لكن ما يميز التجربة المصرية أنها لم تأت فقط فى إطار حل مشكلة الكثافة السكانية، بتداعياتها المختلفة، فى القاهرة التاريخية، بقدر ما جاءت فى إطار مشروع تنموى كبير، واستنادا إلى فلسفة جديدة فى العمران والتنمية. كما لم يأت إنشاء العاصمة الجديدة على حساب القاهرة التاريخية، بأى حال من الأحوال؛ فإذا كانت الأخيرة اكتسبت قوتها من نيلها وتاريخها وما تضمه من مبانٍ وآثار تقف شاهدة على توالى حقب تاريخية وثقافية مختلفة، فإن العاصمة الجديدة تكتسب هى الأخرى قوتها مما تضمه من كيانات ورموز تجسد قوة مصر الحديثة والجمهورية الجديدة، مثل القيادة الاستراتيجية، وحى الأعمال، ومدينة الفنون والثقافة والمدينة الدولية للألعاب الأوليمبية، بالإضافة إلى الرموز البيئية والدينية المهمة…إلخ.
لقد تعرض مشروع العاصمة الجديدة لنقد كبير عندما طُرحت الفكرة، وطُرحت آنذاك أسئلة عديدة حول مصادر تمويل المشروع وما سيخلقه من أعباء على الموازنة العامة للدولة، ومدى الحاجة إليه بالمقارنة بأولويات أخرى، وطبيعة الشرائح الاجتماعية التى سيخدمها هذا المشروع. الآن، وبعد مرور عشر سنوات، وبعدما تحولت العاصمة الجديدة إلى واقع استثمارى واقتصادى ومالى وثقافى واستراتيجى على الأرض، يمكن استخلاص بعض الدروس المهمة. أول، تلك الدروس، أن المشــروعات الكبرى بطبيعتها فى بداياتها تثيـــر جــدلا واســعا، بل ورفضــا واسـعا من جــانب البعض.
لا ينطبق ذلك على مشــروع العاصـمة الجـديدة فقط، لكن هذا ما حدث أيضا مع مشروعات أخرى مثل مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية، الذى رفضه البعض استنادا إلى ما يرتبط بمشروعات الطاقة النووية من مخاطر، على نحو ما حدث بمحطة تشيرنوبل السوفيتية فى أبريل 1986، أو بدعوى عدم ملاءمة مكان الضبعة للمشروع، لكن سرعان ما أثبت الواقع أهمية هذا المشروع. خبرة مشروعى الضبعة والعاصمة الجديدة، شأنهما شأن المشروعات القومية الكبيرة، تشير إلى ضرورة التمييز بين الحسابات والتقييمات قصيرة المدى وطويلة المدى؛ فمثل هذه المشروعات قد لا تتضح أهميتها إلا على المدى البعيد. وقد تبدو هذه المشروعات مكلفة على المدى القصير، لكنها تعد ضرورية، بل وربما حتمية، على المدى الأبعد، فضلا عما تمثله من شروط ضرورية لاستكمال أى مشروع تنموى كبير. مثل هذه المشروعات تتطلب بالأساس شرطين رئيسيين، هما وجود دراسات متكاملة، ووجود رؤية وإرادة سياسية تقف وراء تنفيذها، وهذا هو ما تحقق بالضبط فى حالة مشروعى الضبعة والعاصمة الجديدة.
لقد أعطى مشروع العاصمة الجديدة أبعادا مهمة للمشروع التنموى فى مصر، أولها وضع مصر على خريطة المدن العالمية، بالنظر إلى خصوصية العاصمة الجديدة، سواء فيما يتعلق بمساحتها التى تتجاوز مساحة دول وعواصم عالمية، أو ما تتضمنه من مكونات مهمة ذات بعد استراتيجى سينعكس على قوة الدولة المصرية وقدرتها على التعامل مع الأزمات. ثانيها، ما أضافته العاصمة الجديدة من فرص استثمارية ضخمة فى المراحل التالية من المشروع. ثالثها، ما أضافته العاصمة الجديدة فى عملية بناء النموذج التنموى المصري؛ بما يتضمنه من مشروعات وسياسات تنموية مختلفة؛ فمع أهمية العمران والتوسع العمرانى فى أى مشروع تنموى، إلا أن مشروع العاصمة حمل أبعادا أخرى تتجاوز مسألة التوسع العمرانى. رابعها، ما قدمه المشروع من نموذج غير تقليدى فى التمويل، دون خلق أى أعباء على الموازنة العامة للدولة. خامسها، ما خلقته العاصمة الجديدة من فرص تصدير النموذج التنموى المصرى إلى الخارج، فى تجاوز واضح للمفهوم التقليدى لتصدير العقار المصرى الذى قام على تسهيل نفاذ المستثمر الأجنبى إلى العقار، ليصبح المطروح تصدير تجربة العاصمة نفسها إلى دول أخرى، بما يتضمنه ذلك من فرص استثمارية جنبا إلى جنب مع تعزيز القوة الناعمة المصرية. وتقدم الخبرات التنموية الآسيوية المختلفة أمثلة مهمة من خلال ما تضمنته من خبرات ملهمة فى مجالات مختلفة عززت حضورها الدولى وقوتها الناعمة. هذه الفرصة تضاف إلى ما راكمته الخبرة المصرية منذ عام 2014 وحتى الآن فى مجالات أخرى؛ مثل الخبرة الضخمة فى تنمية وتحديث البنية التحتية التى أصبحت محل تقدير من جانب دول عديدة.
العاصمة الجديدة بهذا المعنى تطرح دروسا مهمة بشأن طريقة التعاطى المجتمعى مع المشروعات الكبيرة، وفرصة للتعلم المجتمعى، والاعتماد على حسابات بعيدة المدى فى تقييم هذا النمط من المشروعات. كما تفرض على النخبة واجب التوثيق لهذه المشروعات والخبرات المهمة، وهو ما تقوم به مؤسسة الأهرام من خلال «منتدى العاصمة» الذى سيعقد غدا برعاية كريمة من دولة رئيس الوزراء.
لم يأت إنشاء العاصمة الجديدة على حساب القاهرة التاريخية، بأى حال من الأحوال؛ فإذا كانت الأخيرة اكتسبت قوتها من نيلها وتاريخها وما تضمه من مبانى وآثار تقف شاهدة على توالى حقب تاريخية وثقافية مختلفة، فإن العاصمة الجديدة تكتسب هى الأخرى قوتها مما تضمه من كيانات ورموز تجسد قوة مصر الحديثة والجمهورية الجديدة

