
وافقت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» على خريطة طريق للانتقال إلى المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة. تتضمن الخريطة بدء تخلي الحركة تدريجيا عن بنيتها العسكرية مقابل انسحاب إسرائيلي مرحلي، ونقل إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية من التكنوقراط، تدعمها قوة شرطة فلسطينية معاد تشكيلها، وقوة دولية لتحقيق الاستقرار. وتشمل الترتيبات نزع الأسلحة الثقيلة، وتفكيك مواقع التصنيع والمستودعات، والكشف عن شبكة الأنفاق، وذلك وفق مراحل تخضع لآلية دولية للتحقق.
موافقة الحركة لا تعني تسليما فوريا وكاملا للسلاح، فالكلام يدور حول جمع الأسلحة وتخزينها تحت سيطرة فلسطينية، من دون حسم مصيرها النهائي، كما يشترط هذا الإجراء وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، ووضع جدول زمني ملزم، وانسحاب قوات الاحتلال بالتوازي مع تنفيذ الحركة لالتزاماتها. حصرت بعض التفسيرات الفلسطينية نزع السلاح بالأسلحة الثقيلة، من دون حسم موضوع السلاح الفردي.
أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تصريح له يوم الجمعة الماضي، بالتوصل إلى «تفاهم» مع إسرائيل للبدء بتنفيذ اتفاق السلام في غزة مؤكدا على أن إعلان «حماس» الموافقة على التخلي عن أسلحتها «إنجاز تاريخي كبير» يتيح إنهاء الحرب وإعادة إعمار القطاع، إلا أن هذا التصريح المتفائل كشف مجددا اختلاف الأولويات الأمريكية مع حكومة بنيامين نتنياهو، ففي حين تدفع واشنطن نحو تنفيذ متزامن يربط نزع السلاح بالانسحاب ونقل الإدارة، تتمسك إسرائيل بأن يتم تجريد «حماس» الكامل من السلاح من دون أن يسبق ذلك أي انسحاب أو ترتيبات سياسية لاحقة.
وعليه فقد أبلغت إسرائيل «مجلس السلام» اعتراضها على ثلاثة بنود أساسية: إبقاء الأسلحة المجمعة مخزنة بدلا من تدميرها أو إخراجها من القطاع، ومشاركة قطر وتركيا في آلية التحقق، وحرمان الجيش الإسرائيلي من «حرية العمل العسكري» في المناطق التي ستنتقل إلى القوة الدولية والشرطة الفلسطينية. تظهر هذه الاعتراضات رغبة إسرائيلية مكشوفة باستمرار سيطرتها الأمنية المباشرة على القطاع، وبمحاولة استبعادها لتركيا وقطر عن إجراءات التنفيذ، كما أنها تكشف عن مخطط إسرائيل المتواصل لتفكيك أي إدارة فلسطينية للقطاع وإبطال النتائج السياسية التي تريد فرضها بالحرب.
على المستويين العربي والدولي، اعتبرت الموافقة فرصة لوقف إبادة سكان القطاع، واستئناف إدخال المساعدات، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، واستعادة الإدارة الفلسطينية للقطاع، فيما تعرّضت الحركة لانتقادات فلسطينية بسبب قبولها الآن ترتيبات كانت قد رفضتها سابقا، ولتقديمها تخزين السلاح باعتباره إنجازا تفاوضيا، مع أن النتيجة العملية تقيد قدرتها العسكرية وتخرجها من الحكم.
كان لافتا، بالتوازي مع الوساطات الرسمية المعروفة، الدور المحوري الذي نسبته صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية إلى محمد دحلان، السياسي والقيادي الفلسطيني المفصول من حركة «فتح» ومستشار رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، الذي قام، حسب الصحيفة، بإقناع «حماس» بقبول نزع سلاحها كونه السبيل الوحيد للحفاظ على حضورها السياسي، وإذا صح هذا الدور، فهو يعكس محاولة إماراتية لتوسيع نفوذها في ترتيبات غزة المقبلة، من خلال شخصية فلسطينية تملك علاقات عربية وأمريكية ونفوذا داخل القطاع، بما قد يجعل مستقبل غزة مجالا لتنافس إقليمي ضمن ديناميات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
موافقة «حماس»، ضمن هذا السياق، تعبر عن انتقال للحركة من محاولة الحفاظ على حكمها وسلاحها معا إلى التفاوض على شروط بقائها السياسي بعد الحرب وذلك بعد أن أصبحت إدارة غزة عبئا كبيرا عليها، وتعرضت قدراتها العسكرية للاستنزاف، وضاقت خياراتها الإقليمية. قرارها، بهذا المعنى، هو محاولتها للتكيّف للبقاء داخل المعادلات الشائكة التي تحاول إعادة تشكيل المنطقة والعالم.
لا يحسم الاتفاق مستقبل غزة، بل يوجه أسئلة معقدة للفلسطينيين والأطراف المشتبكة معهم. أحد هذه الأسئلة التي سيتم التنازع على إجابتها هو: من يملك القرار الفلسطيني، ومن يراقب السلاح، ومن يضمن الانسحاب الإسرائيلي، ومن يدير الإعمار؟
مصير الموافقة، في ظل الجنون العنصريّ الإسرائيلي المنفلت من عقاله، هو استبدال المواجهة العسكرية بترتيبات أمنية هشة، وبصراع إقليمي على إدارة القطاع. في الميزان التاريخي، ستتحدد قيمة هذا الاتجاه المستجد لدى حركة «حماس» بقدرتها على الانخراط العام في نضال الفلسطينيين، كشعب ومؤسسات سياسية، وكذلك حلفائهم في العالم، بإنهاء الحرب في قطاع غزة، وفتح مسار يوقف الإبادة والتطهير العرقي ويعيد موقع فلسطين على خريطة الأمم.

