في فيلم “باتمان يبدأ”، وهو العمل الأول بين ثلاثية باتمان التي أعاد فيها المخرج الأمريكي كريستوفر نولان إنتاج الشخصية الكرتونية، تبدأ أسطورة باتمان بالثري الأمريكي بروس واين ملتحقا بجامعة الظل، وهو تنظيم من المقاتلين المحترفين يتزعمه رجل خفي يدعى رأس الغول. ينجح واين في اجتياز التدريبات المستحيلة كمقاتل في جامعة الظل التي تسعى إلى إقرار العدالة، ولكنه يفشل في الاختبار الأخير، حين يأمره رأس الغول أو من يدعي أنه هو رأس الغول بأن يذبح لصا. لم ينبع فشل واين من عجزه عن قتل الرجل، ولكن من إيمانه بأن العدالة لا ينبغي أن تخلو من الرحمة.
عبر الثلاثية يقيم نولان ثنائيات حضارية متقابلة من هذا النوع، فالثري الغربي واين يمثل الرحمة في مقابل إطلاق العدالة القاسية من قبل الكاهن المحارب الشرقي رأس الغول. ليس من السهل هنا مقاومة الإغراء بإسقاط ذلك على السياق التاريخي لتلك اللحظة، حيث تطارد الولايات المتحدة أشباح أسامة بن لادن بين أفغانستان والعراق، بحيث يمثل بن لادن الشيخ الشرقي المقاتل الباحث عن العدالة مهما كانت قاسية ودموية، في مقابل “البيزنس مان” الغربي الذي لا يرفض العدالة، ولكنه يقيدها بالرحمة. بذلك يقول نولان ضمنيا إنه يتفهم مظالم الكاهن الشرقي، وأن جوثام ليست المدينة الفاضلة، لكن قيم جوثام تبقى أكثر إنسانية من بدائلها.

تتكرر المقابلات في الجزءين التاليين من الثلاثية. ففي “فارس الظلام”، تقوم المواجهة بين العدالة القانونية البطيئة ممثلة في المدعي العام هارفي دينت، والعدالة الناجزة الخارجة عن القانون ممثلة في باتمان. ثم في “فارس الظلام ينهض”، يواجه الحكم المؤسسي الذي يشوبه الفساد لكنه يبقى أكثر اتزانا ورحمة، تحدي الشعبوية التي تبحث عن عدالة انتقامية تدمر المدينة.
“تعد عقدة الذنب التي تتملك الذات الغربية موضوعا رئيسيا للعديد من أعمال نولان”
يظل ذلك هو الموضوع الرئيسي للعديد من أعمال نولان، إعادة النظر في عقدة الذنب التي تتملك الذات الغربية، مع البحث عما تعبر عنه تلك العقدة من قيم إنسانية في قلب الذات الحضارية. لا يريد نولان أن يدافع عن الحضارة الغربية بوصفها حضارة مثالية، ولكن بوصفها حضارة تحمل قيما إنسانية رفيعة، ومستعدة دوما لنقد الذات والشعور بالندم على أخطائها.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
تتكرر الفكرة نفسها في أعمال مثل “دانكيرك” و”أوبنهايمر”. في “دانكيرك” يحيي نولان مجد “النصر الديمقراطي” في الحرب العالمية الثانية على القوى الفاشية والنازية، لكن النصر يبدأ من لحظة الانكسار، حين تتمكن الديمقراطية أن تصمد رغم الألم والانسحاب. أما في “أوبنهايمر”، فإن العالم الأمريكي يندم على خطيئة القنبلة الذرية التي لم يسقط فيها إلا تحت ضغط التهديد النازي، ويحيا حياته بعد ذلك محاولا التكفير عن تلك الخطيئة واستعادة التوازن إلى العالم.

المهاجرون أم نحن؟
يعود نولان لتأمل عقد الذات الحضارية الغربية، هذه المرة عبر إعادة قراءة الملحمة الإغريقية الأوديسة. تمثل الأوديسة الملحمة الثانية بين الملحمتين المؤسستين للحضارة الإغريقية. فالملحمة الأولى، الإلياذة، تحكي سيرة الحرب الكبرى بين الآخيين (اليونانيين) وطروادة (على الساحل الأناضولي) بعد أن هربت هيلين، الزوجة الفاتنة لمنيلاوس ملك إسبرطة مع باريس، نجل ملك طروادة. يستدعي ذلك تحالف مدن الآخيين بقيادة أغاممنون، وتستمر الحرب لسنوات يفشل خلالها الآخيون في اجتياح أسوار طروادة، قبل أن يتمكنوا من ذلك بفضل حيلة الحصان الشهيرة.
تروي الأوديسة في المقابل سيرة عودة أوديسيوس ملك إيثاكا بعد الحرب إلى مدينته، وضياعه في البحر. تظهر الأوديسة العقاب الأليم الذي يلحق بملوك الآخيين جراء تدمير طروادة، فأغاممنون يعود إلى ميسينا ليتعرض للخيانة والقتل على يد زوجته وعشيقها، أما أوديسيوس فيخوض 20 سنة من المعاناة والضياع في البحر، يفقد خلالها كل جيشه، ويعود ليجد قصره مستباحا من قبل النبلاء الذين استغلوا غيابه لينقضوا على زوجته وابنه وملكه.
“تمثل الأوديسة الملحمة الثانية بين الملحمتين المؤسستين للحضارة الإغريقية”
في حوار مبكر بين بينيلوبي زوجة أوديسيوس التي تنتظر عودته، وابنها تليماخوس، تقول الملكة لابنها إن المدينة بحاجة إلى ملك كي يؤسس جيشا لمواجهة تهديد شعوب البحر. يخبرها ابنها أن شعوب البحر وما يشكلونه من تهديد للمدينة مجرد حكايات مسافرين لا ينبغي التعويل عليها، لكن الملكة الأم ترد بأن كل ما يعرفونه عن العالم هو حكايات المسافرين. حينئذ يتحصن تليماخوس بعراقة الحضارة التي تنتمي إليها مدينة إيثاكا، فتجيبه الأم بأن ذلك البيت العظيم الذي يعيشون فيه ذا الحجارة القديمة قدم المعرفة البشرية، أصبح مستباحا من قبل ضيوف جشعين غير مرحب بهم.

لا يمكننا أن نجزم بأي إسقاط لعبارة نولان، لكن حديث تليماخوس عن الحضارة لا عن المدينة، ووصفه تلك الحضارة بأنها أعظم حضارة عرفها التاريخ، يسمح لنا أن نفهم هذا الحوار في سياق الجدل الغربي المعاصر حول ما يتهدد الحضارة الغربية. ويمكننا إذن أن نفهم إجابة الملكة كإشارة إلى المهاجرين الذين يمثلون نوعا من حصان طروادة في نظر اليمين الغربي يتهدد الحضارة الغربية من داخلها.
طوال أحداث الفيلم، نراقب جشع الخُطّاب الذين يحتلون القصر في انتظار زواج أحدهم من الملكة بينلوبي وإعلان موت أوديسيوس، بل يتربصون بتليماخوس لقتله. مع ذلك، ففور عودة أوديسيوس في ثوب متسول، يروي أوديسيوس لزوجته الملكة عن بشاعة الجريمة التي ارتكبتها جيوش الآخيين في طروادة. يخبرها أن أوديسيوس الذي عرفته قد ضل طريقه منذ الليلة التي رأى فيها ما جرى في طروادة، حين رأى نفسه وقومه “ينتهكون كل ما هو مقدس بين الشعوب”، كما يقول أوديسيوس في الحوار.
يشعر أوديسيوس بالذنب باعتباره في تصوير نولان للملحمة مسؤولا عن خدعة الحصان، ثم يتحسر على ماض متخيل لحضارته يصفه بأنه كان “عالما من القصور والتجارة واللغة” أعماهم جماله حتى دمروه، وهو أسلوب نولان للتعريض بالمدنية الغربية التي تتغنى بالرقي والعمران والفنون، لكنها تعمى عن توحشها الداخلي. حينئذ تدرك زوجته أن ذلك الوصف المريع لا ينطبق إلا على شعوب البحر نفسها التي يحكي عنها المسافرون، فتسأله باكية “أنتم إذن شعوب البحر”، وتعني أنتم المتوحشون الحقيقيون، ليؤكد لها ذلك.
“في الأوديسة، يبدو نولان ناقدا للحضارة الغربية أكثر من كونه مدافعا عنها”
يمثل فيلم “الأوديسة” لذلك خطوة أبعد في طريق نقد نولان للحضارة الغربية. فهو في أعماله المبكرة يبدو مدافعا عنها أكثر مما هو ناقد لها، بل يبرز عظمة قيمها في مقابل قسوة خصومها مثل رأس الغول، أو أبنائها الخارجين عليها كما في دانكيرك. وفي “أوبنهايمر”، يبدو الغربي ممزقا بعقدة الذنب، ولكن ما يقوم به نولان هو تبرير ذلك الذنب، وتأكيد إمكانية تجاوزه. أما في “الأوديسة”، فيبدو نولان واضحا في تحمل الغرب مسؤوليته عن تدمير قيمه بجرائمه نفسها.
صحيح أن نولان يبقى بعد ذلك حبيس انحيازاته اليمينية، فيأبى التصالح مع وجود المهاجرين بوصفه تنوعا إنسانيا لا بد منه لتجديد الحضارة البشرية، لكنه يرى وجود المهاجرين الدخلاء المعادين لقيم الغرب نتيجة لا سببا، لجرائم الغرب نفسه.

الأوديسة وجدل التنوير
تذكرنا قراءة نولان للأوديسة بقراءة الفيلسوفين النقديين ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو للملحمة الإغريقية نفسها. حاول هوركهايمر وأدورنو استكشاف جذور العقلانية الحديثة للكشف عن منبع العقلانية الأداتية فيها، أي الاهتمام بالأدوات والوسائل على حساب التزام الغايات الإنسانية، ومن ثم غياب النزعة النقدية. وقد أعادهم ذلك إلى مفهوم التنوير.
فقد سعى التنوير إلى تحرير الإنسان من الخوف من الطبيعة عبر فرض سيطرته عليها، ومن ثم عمل التنوير على نزع السحر عن العالم عبر تفكيك الأساطير وإحلال المعرفة العلمية محلها. وقد عبر فرانسيس بيكون عن الترادف القائم بين نزوع التنوير لبسط سيطرة الإنسان على الطبيعة، ونزوعه من ناحية أخرى لإقامة معرفة علمية، بمقولته الشهيرة وهي أن “المعرفة قوة”.
“سعى التنوير إلى معرفة تمكن من التنبؤ والتحكم والسيطرة”
وبذلك فإن التنوير لم يكن مهتما بالحقيقة التأملية في حد ذاتها بمعزل عن فائدتها العملية، وإنما سعى إلى معرفة تمكن من التنبؤ والتحكم والسيطرة. وتمت معاملة الطبيعة بوصفها مادة للاستعمال، والعقل بوصفه الأداة الجاهزة لتنظيم تلك المادة وفقا للأغراض الإنسانية. وكل ما لا يخضع لتلك العملية من الحساب والقياس والإنتاج، جرى استبعاده بوصفه وهما ميتافيزيقيا. وأصبحت الرياضيات بذلك نموذج الفكر السليم بتحويلها الاختلافات الكيفية إلى كميات قابلة للحساب والمقارنة.
لكن التنوير لم يكن خِلوا من الأسطورة، ففي معاملته للمعارف التجريبية بوصفها حقائق مطلقة لا تقبل المساءلة، أسس التنوير أساطيره الخاصة التي تفترض إمكانية استيعاب العالم وتفسيره كله عبر نماذج العلوم الطبيعية، أي أن التنوير لم يهزم الأسطورة إلا بأسطورة أكثر تنظيما.

منبع ذلك الانتكاس إلى الأسطورة يقبع في حلم السيطرة. ففي مسعاه للتغلب على الطبيعة، فصل الإنسان نفسه عنها وجعل منها موضوعا لمعرفته وسيطرته. أصبحت الذات العارفة سيدة على الأشياء. لكن السيطرة على الطبيعة الخارجية تتطلب كذلك سيطرة على الطبيعة الداخلية، فكان على الإنسان أن يضبط نزواته وغرائزه. ونشأت الأنا المستقرة من التخلي والتضحية بالحياة الراهنة من أجل الأمان المستقبلي.
يقرأ هوركهايمر وأدورنو الأوديسة بوصف تجربة أوديسيوس معبرة عن نشأة الذات البرجوازية الحديثة. فأوديسيوس ينجو في مواجهاته مع القوى القديمة ليس بهزيمتها، وإنما باكتشاف القوانين الحاكمة لها، والتوظيف الذكي لتلك القوانين.
ففي مواجهته مع الوحش بوليفيموس، ابن إله البحر بوسيدون، الذي دخل أوديسيوس كهفه خطأ، وأكل كثيرا من رجال أوديسيوس، لا يحاول أوديسيوس قتال الوحش، وإنما يخدعه بالخمر، كما يخبره أن اسمه هو “لا أحد”، ومن ثم فعندما يثلم أوديسيوس العين الوحيدة لبوليفيموس، فإن بوليفيموس يصرخ: “لا أحد فقأ عيني”، لكن رفاق بوليفيموس من الصقاليب (سيكلوبس)، وهم الوحوش ذوي الأعين الواحدة في منتصف الجبهة، لا يلاحقون أوديسيوس، فبوليفيموس يقول: “لا أحد فعل ذلك”.
وفي مواجهة غواية السيرينات ذوات الصوت الساحر، يأمر أوديسيوس رجاله بصب الشمع في آذانهم، كما يطلب منهم أن يربطوه في سارية الشراع حتى لا يستجيب لسحر السيرينات. كما أن أوديسيوس يتمكن في النهاية من التخلص من النبلاء الذين احتلوا قصره وحاولوا انتزاع عرشه في غيابه، وهم خطاب بينيلوبي، بالحيلة مع زوجته بينيلوبي، وليس فقط بقوته.

بذلك يفصل أوديسيوس بين ذاته وبين الطبيعة، ويحاول التحكم في الطبيعة عبر المعرفة تماما كما صار الإنسان الحديث. لكن أوديسيوس يجد في تلك العملية أن عليه أيضا السيطرة على طبيعته الداخلية، أي على غرائزه من جوع ورغبة. فعند الاقتراب من إيثاكا في رحلة عودته أول مرة، يفتح بحارة أوديسيوس كيس العواصف الذي قدمه إله الريح أيولوس كفخ إلى أوديسيوس، وهكذا يتسبب الجشع في ضياعهم في البحر مرة أخرى.
وعلى جزيرة الساحرة كيركي، يعرف من الإله هرمس أن عليه ألا يخضع لغوايتها قبل أن تقسم تحت تهديد السيف على ألا تخدعه، وبذلك يتحكم أوديسيوس في رغبته. وفي مواجهة السيرينات، يقاوم الغواية. ولاحقا يقاوم الجوع أمام أبقار هيليوس، إله الشمس، الذين حذره من أكلهم العراف تريزياس عندما كان أوديسيوس في العالم السفلي، بينما يستجيب بحارته للجوع ويأكلونهم فيموتون جميعا.
“التضحية في حياة أوديسيوس ليست ممارسة روحية، وإنما صفقة محسوبة”
تقوم حياة أوديسيوس على مبدأ التضحية، فعليه دوما أن يقدم شيئا في مقابل ربح مستقبلي، فالتضحية هنا ليست ممارسة روحية، وإنما صفقة محسوبة. تنشأ أنا أوديسيوس لتدير تلك الصفقة، فهو يضحي بالحاضر من أجل المستقبل، ويكبت نزواته من أجل البقاء، وهكذا تحيا ذاته في صدع مستمر. وتعبر المواجهة مع السيرينات عن العلاقة بين الثقافة والهيمنة في العصر الحديث. فأوديسيوس يأمر بحارته بأن يصبوا الشمع في آذانهم حتى لا يسمعوا السيرينات، أما هو فلا يفعل ذلك، بل يستمتع بأصواتهن، لكنه يربط نفسه في الشراع حتى لا يستجيب لهذا الصوت، تماما كما يستمتع “البرجوازي الحديث” بالفن وحده، ولكن دون أن يستجيب لما فيه من دعوات نقدية، بينما يحرم منه العمال الذين يجب أن يبقوا بمنأى عن تلك الطاقة النقدية للفن.
في كل مغامرة، يجد أوديسيوس نفسه مضطرا لمقاومة الغواية التي تجذبه للتخلي عن الانضباط اللازم لبناء الحضارة. ففي بداية رحلة العودة، وبعد الإغارة الأولى على الكيكونز، يواجه آكلو اللوتس الذين يشبهون مدمني المخدرات، فهم يعرضون عشبة تهب السعادة، ولكنها تنسي الواجب والحنين إلى الوطن. يرفض أوديسيوس ذلك، ويجبر رجاله على العودة إلى سفنهم. أما خضوع كيركي لأوديسيوس بعد ضبطه لشهوته في مواجهتها، فيكشف نجاح الذات البرجوازية في السيطرة على تهديد الرغبة الجنسية عبر إخضاع النساء.
تبقى مشكلة تلك الذات في تبرير التضحية، فما الذي ينتظرنا في المستقبل لنضحي من أجله بسعادتنا في الحاضر. لقد عرف كانط التنوير بأنه الاستخدام المستقل للعقل، ويقوم العقل بتنظيم المعرفة وربط الوقائع الجزئية لاستنباط قوانين كلية، بما يجعل الطبيعة قابلة للتنبؤ والتحكم. لكن هذا العقل صوري لا يهمه المضمون، أي أن ما يشغله هو أن يكون هذا التنظيم المعرفي الذي وصل إليه متسقا داخليا وقابلا للتطبيق خارجيا، ولكنه لا يسأل ما هي الغاية النهائية من تلك المعرفة ومن تطبيقها. الأساس العملي الوحيد لذلك العقل هو حفظ الذات، أي غريزة البقاء البدائية، فالذات المتنورة تحرص على التوصل إلى المعرفة الصحيحة لأن الخطأ يهددها بالاعتلال والموت، ورائد الأعمال البرجوازي هو التجسيد الاجتماعي لتلك الذات العقلانية.
تنشأ المعضلة هنا من أن التنوير يحاول استنباط الأخلاق من العقل الصوري. فبعد إضعاف سلطة الدين، لم يبق وعد مستقبلي أو سبب عقلاني يبرر التضحية بالذات من أجل الآخرين. حاول كانط كما هو معروف أن يؤسس الأخلاق عبر قانون كوني يقول إن عليك أن تتصرف وفق قاعدة تصلح أن تكون قانونا كونيا، أو بما يضمن أن تعامل البشر الآخرين كغايات وليس كوسائل. لكن النظام الاجتماعي الاقتصادي القائم على المنافسة يناقض تلك الكونية، فعليك دوما أن ترى الآخرين وسائل في سبيل تحقيق الفوز والربح الأعلى لك، وعليك أن تتصرف بما يحقق المنفعة لا بما يصلح أن يكون قاعدة يتصرف وفقا لها كل البشر الآخرين، وإن كانت تسبب الخسائر. إن البشر متساوون عقليا فقط، ولكن ماديا هم متنافسون مختصمون، والعقل يمكنه فقط أن ينظم الوسائل، لكنه لا يمكنه أن يثبت أن القتل والإكراه رذائل أخلاقية.

اليونان والغرب
تفترض تلك القراءات النقدية دوما أن الحضارة الغربية هي امتداد للتراث اليوناني. فاليونان القديم يمثل الغرب في مواجهة الشرق الذي تمثله طروادة أو الفرس، كما تمثل روما الغرب في مواجهة قرطاج التي تمثل الشرق. لقد أغرت تلك الفكرة ناقدا صارما للاستشراق مثل إدوارد سعيد الذي يعود بجذور الاستشراق إلى الخطاب الذي تشكل في اليونان حول الفرس وآسيا، فيتصور الخطاب الاستشراقي الحديث الذي يضفي على الشرق صفات جوهرية تميزه عن الغرب، امتدادا لذلك الخطاب اليوناني عن الأعداء الفرس الآسيويين.
لكن اليونانيين القدامى لم يروا أنفسهم ممثلين للغرب أو الشمال أو لحضارة في خصومة مع الحضارات الآسيوية أو الشرقية. فقد نشأت الفلسفة اليونانية على سواحل الأناضول لا في شبه الجزيرة اليونانية أو الجزر المحيطة بها، وكان ساحل الأناضول يدعى أيونيا، حيث ظهر الفلاسفة اليونانيون الكبار مثل طاليس وفيثاغورس. كما يظهر الفينيقيون في الأساطير اليونانية باعتبارهم أهل حضارة ذات صلات سلمية مع اليونان، كما في الأوديسة نفسها، حيث يحل أوديسيوس ضيفا على الأميرة الفينيقية نوسيكا التي تؤدي تشارليز ثيرون في الفيلم دورا مستلهما من شخصيتها الأسطورية. بل إن اسم أوروبا نفسه يعود إلى أميرة فينيقية تقول الأسطورة اليونانية أن زيوس اختطفها وتزوج بها لشدة جمالها، ومنها أنجب مينوس، ملك كريت الأسطوري.
“اليونانيون القدامى لم يروا أنفسهم ممثلين للغرب أو الشمال أو لحضارة في خصومة مع الحضارات الآسيوية أو الشرقية”
لقد استوعب الرومان الحضارة اليونانية بعد غزوهم اليونان القديمة، وتشكلت الثقافة الهلنستية من استلهام التراث اليوناني في السياق الروماني. لكن بسقوط روما على يد القبائل الأوروبية، اختفى تأثير الثقافة اليونانية في أوروبا، بينما صارت الحضارة العربية الإسلامية أشد التصاقا بهذا التراث بفعل ترجمته ودمجه بالعلوم والثقافة العربية والإسلامية.
انبعث التراث اليوناني في أوروبا في حدود القرن الثاني عشر، وهو العصر الذي تشكلت فيه نهضة القرون الوسطى الأوروبية بفعل أعمال الفلاسفة المسيحيين الذين نقلوا التراث اليوناني والعربي عبر الأندلس وصقلية والاحتكاك المباشر أثناء الحروب الصليبية، إلى البر الأوروبي. ومع ذلك، فقد ظلت نظرة أوروبا وقتها إلى الثقافة اليونانية نظرة إلى حضارة قديمة لا تنتمي إليها بالضرورة.
لكن ذلك تغير بحلول عصر النهضة الأوروبي خاصة في إيطاليا. ففي ذلك الوقت، بدأ الأوروبيون، خاصة الإيطاليين، في النظر إلى الحضارة الرومانية باعتبارها سلفا لهم، والنظر في التراث اليوناني باعتباره تراثا ينتمي إلى إطار حضاري إنساني يضم الأوروبيين. وقد برزت أعمال الكاتب الإيطالي فرانشيسكو بترارك على وجه خاص كمحاولة لبعث ذلك الماضي اليوناني والروماني.
أما إعادة صهر التراث اليوناني في الثقافة الأوروبية باعتباره تراثا غربيا صرفا، فقد تحققت في ألمانيا خلال عصر التنوير، عبر ما عرف بالنزعة الهيلينية الألمانية. كان بعث الهيلينية في ألمانيا خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر ظاهرة مختلفة عن إحياء التراث اليوناني في عصر النهضة الإيطالية. فلم تكن المسألة اكتشاف نصوص مفقودة، بل كانت إعادة تخيل اليونان القديمة بوصفها نموذجا للجمال والحرية وتكوين الإنسان الكامل. وقد امتدت هذه الحركة تقريبا من خمسينيات القرن الثامن عشر حتى العقود الأولى من القرن التاسع عشر، وبلغت ذروتها فيما عرف بـ”الكلاسيكية الفايمارية” عند غوته وشيلر.
كان المؤسس الأهم لهذه الهيلينية الألمانية هو يوهان يواكيم فينكلمان. ففي كتابه “أفكار حول محاكاة الأعمال اليونانية في الرسم والنحت” سنة 1755، ثم في “تاريخ فن العصور القديمة” سنة 1764، صاغ فينكلمان صورة شديدة التأثير للفن اليوناني، لخصها في العبارة الشهيرة: “البساطة النبيلة والعظمة الهادئة”. رأى فينكلمان أن التمثال اليوناني لا يصور الجسد الجميل فقط، بل يكشف عن إنسان حقق التوازن بين الجسد والروح، وبين العاطفة والعقل.

وقد حمل هذا التوجه أيضًا معنى سياسيًا وثقافيًا خاصًا بألمانيا. ففي ذلك الوقت لم تكن ألمانيا دولة قومية موحدة، بل مجموعة من الإمارات، كما كانت الثقافة الأرستقراطية خاضعة بدرجة كبيرة للنموذج الفرنسي. لذلك استخدم المثقفون الألمان اليونان القديمة لبناء ثقافة قومية بديلة: فرنسا تستند إلى روما والقواعد الكلاسيكية الصارمة، أما ألمانيا فتستند إلى اليونان والإبداع العضوي. كانت الهيلينية، بهذا المعنى، وسيلة لتحرير الثقافة الألمانية من التقليد الفرنسي ومن هيمنة النموذج الروماني.
ظهر ذلك بوضوح عند المسرحي الشهير غوته والشاعر الكبير شيلر. نظر غوته وشيلر إلى المثال اليوناني باعتباره تجسيدا لوحدة مفقودة بين الإنسان والعالم. فالإنسان اليوناني، كما تخيلاه، لم يكن منقسمًا بين العقل والجسد، أو بين الواجب والرغبة، كما هو الإنسان الحديث. ومن هنا جعل شيلر الفن وسيلة للمصالحة بين الحس والعقل، وبين الحرية والضرورة.
“ما يهم هو نقد المركزية الأوروبية في قراءة التراث الإنساني عموما، واليوناني خصوصا”
وفي أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، تحولت الهيلينية إلى مشروع تعليمي وفلسفي. جعل فيلهلم فون هومبولت، أبو التعليم الألماني، دراسة اللغة اليونانية وآدابها محورًا للتعليم الإنساني الألماني. وكان المقصود من التعليم، أو مفهوم “Bildung”، ألا يكتسب الإنسان مهارات نافعة فحسب، بل أن يبني شخصيته بصورة متكاملة وحرة. ومن هنا أصبحت اليونانية واللاتينية أساس المدرسة الثانوية والجامعة الألمانية الحديثة.
كما لعبت الجامعات الألمانية دورًا حاسمًا في نشأة فقه اللغة الكلاسيكي بوصفه علمًا منظمًا. ومن هذا المناخ خرج لاحقًا علماء مثل فريدريش أوغست فولف، الذي درس تكون الملاحم الهوميرية وطرح “المسألة الهوميرية”، أي التساؤل عما إذا كانت الإلياذة والأوديسة من تأليف شاعر واحد أم نتيجة تقاليد شفهية متعددة. ومثّل هذا العلم نفسه للمفارقة الأساس النظري للحركة الاستشراقية التي اتجهت لدراسة الإسلام والحضارة العربية والحضارات الآسيوية.
لا يعني ذلك ضرورة دحض قراءات هوركهايمر وأدورنو ونولان وغيرهم من النقاد الأوروبيين للأوديسة، فهي قراءات فلسفية تثري الاعتبارات الإنسانية التي يمكن من خلالها النظر إلى الملحمة. لكن ما يهم هو نقد المركزية الأوروبية في قراءة التراث الإنساني عموما، واليوناني خصوصا. إن هذا التراث ليس أوروبيا كما أنه ليس سوى ذلك، وإنما هو تراث إنساني يمكن دوما إثراؤه بقراءات متنوعة تنطلق مما هو مشترك بين البشر من قيم وخبرات.

