من الفوضى إلى الدولة.. مرتكزات 30 يونيو “أخبار اليوم” توثق رحلة إعادة بناء مصر

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تعد الكتب التى تؤرخ للأحداث الكبرى مجرد أوعية تحفظ الوقائع، أو سجلات تجمع التواريخ والأسماء والقرارات، بل أصبحت أدوات لإعادة قراءة اللحظات الفاصلة التى تغير مصائر الدول، وتكشف كيف تنتقل الأمم من مرحلة إلى أخرى، وكيف تتحول الأزمات إلى فرص، والفوضى إلى مشروع، والانقسام إلى رؤية وطنية جامعة.. ومن هذا المنطلق يكتسب الإصدار الجديد الصادر عن مركز أخبار اليوم للبحوث والدراسات بعنوان 30 يونيو.. من دوائر الفوضى إلى مسارات التخطيط أهمية استثنائية، لأنه لا يتعامل مع ثورة الثلاثين من يونيو باعتبارها حدثًا سياسيًا انتهى بانتهاء لحظته، وإنما بوصفها نقطة انطلاق لمسار طويل من إعادة بناء الدولة المصرية، وإعادة تعريف أولوياتها، وصياغة فلسفة جديدة للحكم والإدارة والتنمية.

الكتاب – فى جوهره – لا يكتفى بسرد ما جرى، ولا يقتصر على توثيق ما تحقق خلال ثلاثة عشر عامًا، بل يحاول أن يجيب عن سؤال أكثر عمقًا: كيف استطاعت الدولة المصرية أن تنتقل من لحظة كانت فيها مؤسساتها مهددة، إلى مرحلة باتت تمتلك فيها مشروعًا متكاملاً لإعادة البناء والتنمـية؟ وكيــف تشكلــت مـلامـــح الجمهـوريــة الجديدة عبر منظومة متشابكة من السياسات الأمنيـــة والاقتصـــادية والاجتمـاعـيـــة والثقـافـيـــة والدبلوماسية؟ هذه الأسئلة هى التى تمنح الكتاب قيمــته، وتجعلــه أقـــرب إلى دراســة استراتيجية متعددة التخصصات، أكثر مــنه مجـــرد إصـــدار احتفالى بذكرى وطنية، فالعمل يجمع بين التحليل السياسى، والرؤية الأكاديمية، والخبرة المؤسسية، والقراءة التاريخية، ليقدم للقارئ صورة متكاملة عن التحولات التى شهدتها مصر منذ عام 2013 وحتى اليوم.

اقرأ أيضا: من بكين إلى طهران.. صراعات الشرق الأوسط تنسف خطة ترامب الكبرى

يأتى هذا الإصدار امتدادًا للدور الذى يضطلع به مركز أخبار اليوم للبحوث والدراسات، الذى يسعى إلى تجاوز الوظيفة التقليدية للمؤسسات الصحفية باعتبارها ناقلًا للأخبار، إلى دور أكثر اتساعًا يتمثل فى إنتاج المعرفة، وصناعة الوعى، وبناء الجسور بين البحث العلمى والرأى العام وصانع القرار، ولعل ما يلفت الانتباه منذ الصفحات الأولى هو أن الكتاب لا يقدم نفسه باعتباره شهادة سياسية، ولا دفاعًا عن مرحلة بعينها، وإنما يعلن بوضوح أن غايته هى البحث عن “مرتكزات الدولة المصرية”، أى الأسس التى قامت عليها عملية إعادة البناء، وكيف تطورت هذه المرتكزات عبر السنوات فى ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.

ومن هنا تبدو مقدمة الكتاب ذات دلالة خاصة، إذ تؤكد أن الهدف هو سد الفجوة بين العقل البحثى والعقل الجماهيرى وعقل صانع القرار، بحيث تصبح المعرفة العلمية جزءًا من عملية صناعة السياسات، وليس مجرد نشاط أكاديمى معزول عن الواقع، وتعكس هذه الفلسفة تحولًا مهمًا فى طريقة التفكير داخل المؤسسات الوطنية؛ فالدول الحديثة لم تعد تعتمد فقط على ردود الأفعال، وإنما على الدراسات والرؤى الاستراتيجية التى تستشرف المستقبل، وتبنى القرارات على أسس علمية، وهو ما يجعل الكتاب جزءًا من مشروع أوسع يربط بين الإعلام والبحث العلمى والتخطيط الاستراتيجى.

من أبرز نقاط القوة فى الكتاب أنه لا ينظر إلى الثلاثين من يونيو باعتبارها لحظة احتجاج جماهيرى فحسب، بل يتعامل معها باعتبارها بداية لعملية إعادة تأسيس شاملة للدولة، فالعديد من الكتب التى تناولت هذه المرحلة ركزت على الأحداث السياسية، أو على تفاصيل المشهد الميدانى، أو على الصراع بين القوى المختلفة، بينما يذهب هذا الإصدار إلى منطقة أكثر عمقًا؛ إذ يحاول قراءة ما حدث بعد انتهاء الثورة، وكيف تحولت الإرادة الشعبية إلى سياسات عامة، ثم إلى مشروعات، ثم إلى مؤسسات، ثم إلى نتائج ملموسة.

ولهذا فإن القارئ لا يجد نفسه أمام سرد زمنى للأحداث، وإنما أمام خريطة واسعة للتحولات التى شهدتها الدولة المصرية فى مختلف القطاعات، بداية من الأمن القومى، مرورًا بالتنمية الاقتصادية، ووصولًا إلى السياسة الخارجية، والحماية الاجتماعية، والرعاية الصحية، وتطوير البنية الأساسية، وتجديد الخطاب الدينى، وغيرها من الملفات التى تشكل فى مجموعها ملامح الجمهورية الجديدة.

سلاح الوعى

يفتتح الكتاب بمقال للمهندس عبد الصادق الشوربجى رئيس الهيئة الوطنية للصحافة بعنوان االوعى.. قوة الدولة فى مواجهة التحديات، وهو اختيار يحمل دلالة واضحة؛ إذ يضع قضية الوعى فى مقدمة عناصر القوة الوطنية، باعتبارها الركيزة التى تستند إليها بقية عناصر القوة، فالكاتب ينطلق من فكرة مفادها أن الدول لم تعد تقاس فقط بحجم جيوشها أو اقتصادها أو مواردها الطبيعية، وإنما بقدرتها على بناء مواطن يمتلك المعرفة والقدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المعلومة والشائعة، وبين النقد الموضوعى ومحاولات الهدم، وتكتسب هذه الرؤية أهميتها فى ظل التحولات التى يشهدها العالم، حيث أصبحت حروب المعلومات، والتأثير على الرأى العام، وصناعة الإدراك، أدوات لا تقل خطورة عن الحروب التقليدية. ومن ثم فإن بناء الوعى يصبح شرطًا أساسيًا لحماية الأمن القومى، وضمان استدامة التنمية، والحفاظ على تماسك المجتمع.

أما الكاتب الصحفى إسلام عفيفى رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم فيقدم واحدة من أكثر الرؤى السياسية وضوحًا داخل الكتاب، من خلال مقاله امن تمكين الجماعة إلى تمكين الدولة.. مصر من الفوضى إلى الهيبةب، ويطرح المقال سؤالًا محوريًا: هل كانت الأزمة التى عاشتها مصر قبل الثلاثين من يونيو مجرد أزمة حكومة، أم أنها كانت أزمة وجود للدولة الوطنية نفسها؟

وينطلق الكاتب من فرضية أن الصراع لم يكن على السلطة وحدها، وإنما على طبيعة الدولة المصرية وهويتها ومؤسساتها، وهو ما يجعل الثلاثين من يونيو، فى هذه القراءة، لحظة استعادة للدولة الوطــنيـة، أكـــثر مـن كـونـهـا مجــرد تغــيير سياسى، وتبرز أهمية هذه الرؤية فى أنها تربط بين استعادة مؤسسات الدولة وبين استعادة قدرتها على أداء وظائفها، سواء فى حفظ الأمن، أو إدارة الاقتصاد، أو تنفيذ مشروعات التنمية، أو حماية الحدود، أو صياغة سياسة خارجية مستقلة.

اقرأ أيضا: محمد الباز يكشف تفاصيل يوم 21 يونيو في رابعة: تهديدات إرهابية قبل 30 يونيو

ثورة الضرورة

وفى مقاله 30 يونيو.. ثورة الضرورة يقدم الكاتب الصحفى محمود بسيونى رئيس تحرير أخبار اليوم قراءة تستند إلى المفاهيم السياسية الكلاسيكية، مستعينًا بتعريف عالم السياسة الأمريكى صمويل هنتنجتون للثورة باعتبارها تغييرًا جذريًا فى القيم والمؤسسات والقيادة والسياسات.

ويستثمر هذا المفهوم ليؤكد أن ما جرى فى مصر تجاوز فكرة انتقال السلطة، ليصبح عملية إعادة تشكيل شاملة للدولة والمجتمع، وهو ما يفسر اتساع نطاق التحولات التى شهدتها البلاد خلال السنوات التالية، ويتميز هذا الطرح بأنه يربط بين النظرية السياسية والتجربة المصرية، فى محاولة لتفسير التحولات الكبرى ضمن إطار فكرى، وليس فقط من خلال السرد التاريخى للأحداث.

اقرأ أيضا: من وقف إطلاق النار إلى إعادة الإعمار.. القاهرة بوابة السلام في غزة

ومن أبرز المقالات التى يتضمنها الإصدار مقال الدكتور أسامة السعيد رئيس تحرير جريدة الأخبار بعنوان امن الانكفاء إلى صناعة الاتزان الاستراتيجىب، الذى يقدم قراءة معمقة لتحولات السياسة الخارجية المصرية بعد عام 2013.

وينطلق المقال من فكرة أن استعادة الدولة فى الداخل كانت مقدمة ضرورية لاستعادة الدور فى الخارج، وأن إعادة بناء مؤسسات الدولة انعكست بصورة مباشرة على قدرة مصر على التحرك الإقليمى والدولى، واستعادة موقعها التقليدى باعتبارها أحد أهم الفاعلين فى منطقة الشرق الأوسط.

الجمهورية الجديدة

إذا كانت الثورات تُقاس عادةً بما تُسقطه من أنظمة، فإن التجارب الكبرى تُقاس بما تنجح فى بنائه بعد ذلك. ومن هذه الزاوية، يطرح كتاب 30 يونيو.. من دوائر الفوضى إلى مسارات التخطيط فكرة محورية، مفادها أن الإنجاز الحقيقى لم يكن فى عبور لحظة سياسية استثنائية، وإنما فى القدرة على تحويل هذه اللحظة إلى مشروع دولة يمتد عبر السنوات، ويعيد صياغة علاقة المواطن بمؤسساته، وعلاقة الدولة بمحيطها، وعلاقة الحاضر بالمستقبل.

ومن هنا جاءت مساهمة الكاتب أحمد الخطيب مدير مركز أخبار اليوم للبحوث والدراسات بعنوان ثورة 30 يونيو.. من إنقاذ الدولة إلى تأسيس الجمهورية الجديدة، لتضع الإطار الفكرى العام الذى يتحرك داخله الكتاب بأكمله، فهو يرى أن الثلاثين من يونيو لم تكن مجرد استجابة لأزمة سياسية عابرة، وإنما بداية لمسار تأسيسى أعاد للدولة قدرتها على التخطيط بعيد المدى، واستعادة وظائفها الأساسية، وبناء مؤسساتها على أسس أكثر قدرة على مواجهة تحديات الداخل والخارج.

القيمة الحقيقية لكتاب 30 يونيو.. من دوائر الفوضى إلى مسارات التخطيط لا تكمن فقط فى أنه يجمع مجموعة كبيرة من المقالات والدراسات حول مرحلة تاريخية مهمة، وإنما فى أنه يقدم محاولة لفهم فلسفة بناء الدولة، فالكتاب يرسم صورة بانورامية لتحولات متعددة المجالات، ويجمع بين شهادات ورؤى خبراء ومتخصصين، ليقدم للقارئ تصورًا عن كيفية تداخل الملفات المختلفة فى مشروع الدولة؛ فالأمن مرتبط بالتنمية، والتنمية مرتبطة بالبنية الأساسية، والبنية الأساسية مرتبطة بجودة حياة المواطن، وجودة الحياة مرتبطة ببناء الإنسان ووعيه.

ومن هنا فإن الإصدار يمثل وثيقة معرفية تتجاوز حدود المناسبة، لأنه لا يتوقف عند سؤال: ماذا حدث بعد 30 يونيو؟ وإنما يذهب إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تُبنى الدول بعد الأزمات الكبرى؟ وكيف تتحول لحظات الخطر إلى فرص لإعادة التأسيس؟

اقرأ أيضا: خبراء يحذورن من أخطاء شائعة وراء حريق المنازل في الصيف

‫0 تعليق

اترك تعليقاً