مُنذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب على غزة أدركت القاهرة أن المعركة الحقيقية لا تقتصر على وقف إطلاق النار فقط، وإنما تمتد لمنع انفجار إقليمى واسع، والحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، وضمان عدم فرض واقع جديد يقوم على التهجير أو تصفية القضية الفلسطينية، وهو ما جعل التحرك المصرى يتسم بمسارين متوازيين أحدهما سياسى ودبلوماسى يسعى لإنهاء الحرب، والآخر إنسانى وإغاثى يهدف لتخفيف مُعاناة المدنيين داخل القطاع.
مع الإعلان عن التوصل لتوافق بشأن خارطة الطريق الخاصة بتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بغزة برز الدور المصرى باعتباره أحد أهم العوامل التى دفعت نحو تقريب وجهات النظــر بين الأطــراف المختلـفـــة، بعـدمـا نجحــت القاهرة طوال الشهور الماضية فى الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، رغم التباينات الحادة وصعوبة الملفات المطروحة على طاولة التفاوض، فالوساطة المصرية لم تنطلق من حسابات ظرفية أو من رد فعل على تطورات الحرب، وإنما استندت لخبرة تاريخية مُمتدة فى إدارة ملفات الصراع الفلسطينى الإسرائيلي، وإلى إدراك عميق لطبيعة المنطقة وتشابك مصالح أطرافها، إضافة إلى امتلاك القاهرة أدوات اتصال وتأثير لا تتوافر لكثير من الأطراف الأخرى.
اقرأ أيضا: خبراء يحذورن من أخطاء شائعة وراء حريق المنازل في الصيف
أحد أهم عناصر القوة المصرية فى هذا الملف يتمثل فى “المصداقية المتراكمة” التى بنتها القاهرة على مدار عقود، باعتبارها طرفًا عربيًا رئيسيًا لا ينفصل عن القضية الفلسطينية، وفى الوقت نفسه طرفًا قادرًا على التواصل مع مختلف القوى الدولية والإقليمية٠

وكما يؤكد الدكتور طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية فالدور المصرى فى القضية الفلسطينية يقوم على ثوابت تاريخية، والقاهرة تتحرك دائمًا بهدف حماية الأمن القومى المصرى والعربى، وإنهاء مُعاناة الشعب الفلسطينى، والحفاظ على حل الدولتين باعتباره المسار السياسى القادر على تحقيق السلام العادل، لافتًا إلى أن التحرك المصرى اتسم بما يمكن وصفه بـاالدبلومـاسـية الهادئةب التى تعتمـد علـى التفـاوض المستمر، وتقديم مقترحات قابلة للتنفيذ، والبحث عن نقاط الالتقاء بدلًا من تكريس الخلافات.
ويُشير فهمى إلى أن نجاح القاهرة فى الدفع نحو المرحلة الثانية من الاتفاق لا يرتبط فقط بوقف العمليات العسكرية، وإنما يرتبط بقدرتها على نقل المفاوضات من مرحلة “إدارة الأزمة” لمرحلة “إدارة ما بعد الأزمة”، وهى المرحلة الأكثر تعقيدًا، لأنها تتعلق بإعادة بناء المؤسسات، وترتيبات الأمن، وإعادة الإعمار، وضمان وصول المساعدات، مُشددًا على أن إعلان ترامب التوصل لاتفاق تاريخى بشأن غزة يعكس نجاحًا حقيقيًا للمفاوضات التى استضافتها القاهرة.
اليوم التالى
وعــن اليــوم التالــى فــى غــزة قال فهمى إن المعادلة لم تعد تتعلق فقط بإيقاف القتال، وإنما بكيفية منع عودة أسباب الانفجار مرة أخرى، من خلال صياغة ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية قادرة على إعادة الاستقرار إلى القطاع، منوهًا بأن المرحلة المُقبلة ستشهد بدء عمل اللجنة الوطنية التكنوقراطية داخل غزة لتولى المهام الإدارية والتنفيذية بالتوازى مع تشكيل قوة دولية لدعم تنفيذ المسار السياسى والإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بما يمهد لبدء عملية إعادة إعمار القطاع، مُختتمًا بأن إشادة الرئيس الأمريكى بالدور المصرى تُمثل اعترافًا دوليًا بمصداقية القاهرة وقدرتها على إدارة الملفات الإقليمية المعقدة، مؤكدًا أن نجاح الوساطة المصرية جاء بالتنسيق مع الوسطاء الآخرين، وفى مقدمتهم قطر وتركيا، وبرعاية أمريكية، مُضيفًا أن مجلس السلام سيضطلع بمهام مُحددة وفقًا لما تم الاتفاق عليه والقرارات الدولية، وفى مقدمتها تهيئة الأجواء لبدء مشروع إعادة الإعمار، وتسهيل عمل اللجنة الوطنية، مُشددًا على أن نجاح هذه الخطوات سيكون نقطة انطلاق نحو استقرار الأوضاع داخل غزة، وأن تنفيذ الاتفاق يتطلب استمرار الضغوط الأمريكية على الحكومة الإسرائيلية للالتزام بجميع بنود خارطة الطريق، ووقف الإجراءات العسكرية التى تنفذها بغزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا، بما يضمن نجاح جهود التهدئة.

استقـرار غــزة سينعكـس بصـورة مُباشرة على مُجمل الأوضـــاع الإقليمية فمعظم التوترات التى شــهدتها المنطقـة خــلال الفــترة الماضــية كانت امتدادًا للحرب فى غزة، كمــا يؤكــد الدكتـور طـارق البرديســى خــبير العلاقــات الدوليــة، موضحــًا أن التوصل لتسوية حقيقية للقضية الفلسطينية سيفتح الباب أمام تهدئة أوسع بالشرق الأوسط، مُشددًا على أن الدور المصرى لن يتوقف عند حدود التوصل للاتفاق بل سيستمر خلال المرحلة المقبلة لدعم تنفيذ بنوده، ومواصلة التحركات الدبلوماسية مع مُختلف الأطراف الإقليمية والدولية، مُضيفًا أن موافقة الفصائل الفلسطينية على خارطة الطريق الخاصة بالمرحلة الثانية، تفتح الباب أمام بدء خطوات عملية تشمل دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وانتشار قوة دولية للمساعدة فى ترتيبات الأمن، وبدء مشروعات إعادة الإعمار.
سلاح حماس
وعـن توصـل مجلس الأمــن لاتفاق يقضى بنزع السلاح الكامل لحماس وكافة الفصائل الفلسطينية قال إن ذلك يُعد نقطة تحول مفصلية تنقل الأزمة فى غزة بشكل عملى من طاولة المفاوضات إلى أرض الواقع والتطبيق الميدانى، مُشددًا على أن العبرة الحقيقية فى الوقت الراهن تكمن فى التنفيذ الفعلى على الأرض، وأن التوصل للاتفاق يُمثل توافقاً على المبادئ العامة، بينما يبقى المحك الأساسى مرهونًا بمدى التزام الأطراف المتنازعة بالالتزامات المتبادلة والمتقابلة بين الجانبين، مُشيرًا إلى أن أى خطوة تتصل بنزع السلاح لابد أن يُقابلها التزام إسرائيلى واضح بالانسحاب المتدرج وفق جدول زمـنى محــدد بجـانب ضـمان تدفـق المسـاعدات الإنسانيـة بمـا يُلبـى احتياجات المحاصـرين داخـل غزة، مُختتمًا بأن الاتفاق يُمهد الطريق لإنهاء الوضع القائم منذ 2007 لتتسلم بموجبه لجنة وطنية فلسطينية إدارة القطاع خلفًا لحماس والفصائل، وهو ما يجعل من هذا المسار اتفاقاً تاريخياً.

اقرأ أيضا: عمرو دياب يكشف كواليس «لولا البنات»: «ألحاني وأنا فلاح من الشرقية وبحبها»
اقرأ أيضا: القاهرة الإخبارية: التنسيق المصري التركي أسهم في دعم مسار وقف إطلاق النار في غزة
ويــرى الدكـتــور رضـــا فــرحــات أسـتاذ العلــوم السياسية أن موافقة حماس والفصائل على خارطة طريق المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار تُمثل تطورًا إيجابيًا يعكس نجاح التحركات المصرية، ويؤكد أن القاهرة ما زالت الطرف الأكثر قدرة على إدارة الملف الفلسطينى، لافتًا إلى أن هذا التقدم لم يكن ليتحقق لولا التحرك المصرى المتواصل على المسـتويات الســياسـية والدبلوماسـية والإنسـانيــة، والذى حـافـظ على قــنوات التواصــل مــع جمــيع الأطراف، وأبقى فرص التهدئة قائمة رغم التصعيد العسكرى والتوترات الإقليمية التى ألقت بظلالها على المنطقة خـلال الأشهر الماضية، مُضيفًا أن ملف إعادة إعمار غزة أحد أكبر التحديات أمام المجتمع الدولى فى ظل حجم الدمار الكبير الذى خلفته الحــرب، والحـاجــة لجهــود ضخمــة لإعادة تأهيل البنيــة الأســاسية، من مســاكن ومستشفيات ومــدارس وشـبكات مــياه وكهــرباء وطــرق، مُختتمـًا بأن إعادة الإعمار لا يجب النظر إليها باعتبارها مشروعًا هندسيًا فقط، وإنما باعتبارها جزءًا من عملية سياسية متكاملة لأن إعادة بناء الحجر لن تكون كافية إذا لم يصاحبها بناء منظومة قادرة على توفير الأمن والاستقرار وفرص الحياة الطبيعية للسكان.
ملف الأمن
مـن أكثر الملفات تعقيدًا فى ترتيبات مـــا بعـــد الحــرب ملــف الأمــن خصـوصًا مـع الحــديث عن انتشار قوة دولية، بالتعاون مع قوة شرطة فلسطينية جديدة يجرى إعدادها وتدريبها لتولى مسئولية الأمن الداخلى فى القطاع٠

ويرى المستشار حسين أبو العطا عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب المصريين أن نجاح أى ترتيبات أمنية يتطلب أولًا توافقًا سياسيًا واسعًا، لأن الأمن فى النهاية ليس مجرد وجود قوات على الأرض، وإنما يرتبط بمدى قــبول المجـتمع المحلـى لهـذه الترتيبات، وقدرتها على توفير الاستقرار وحماية المدنيين، مُضيفًا أن الجهود المُكثفة التى قادتها مصر بالتنسيق مع قطر وتركيا وأمريكا إنما تُمثل امتدادًا للدور المصرى التاريخى والمحورى فى دعم القضية، والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، مُشددًا على أن مصر بقيادة الرئيس السيسى، أثبتت مجددًا أنها الطرف الأكثر قدرة على إدارة الملفات الإقليمية المعقدة، انطلاقًا من ثوابتها الراسخة التى تقوم على حماية الحقـوق المشروعــة للشعــب الفلسطينى، ورفض التصعيد، والعمل على تثبيت التهدئة وتهيئة المناخ المناسب للوصول لسلام عادل ودائم.
ويُشير أبو العطا إلى أن التوصل لاتفاق لاستكمال المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار يعكس حجم الثقة الدولية فى الدبلوماسـية المصرية، ويؤكد أن القاهرة لا تزال الركيزة الأساسية لأى تسوية سـياســية حقيقـيــة فى القضــية الفلسطينيــة، لما تمتلكه من مصداقية وعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، موضحًا أن أى خطوات تستهدف ترسيخ الاستقرار داخل غزة، بما فى ذلك معالجة الأوضاع الأمنية وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية ومنع عسكرة المشهد، تمثل جزءًا من رؤية أشمل تضمن حمـاية المدنيين، وتـمهـد لإطلاق عملية سياسية شــاملة تحــقق الأمـــن والاستقرار للجمــيع، وفقـًا للمرجعيات الدولية ومبدأ حل الدولتين.
اقرأ أيضا: مؤشر نيكي ينخفض مع تراجع أسهم قطاع الذكاء الاصطناعي
