طرابلس – «القدس العربي»: تقدمت المشاورات السياسية التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا خطوة إضافية نحو صياغة اتفاق انتخابي، بعد توصل أعضاء الاجتماع المصغر «4+4» إلى تفاهم بشأن آلية تعيين رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في ختام الجولة السابعة التي عقدت في تونس، بينما بقيت بنود أخرى من مسودة الاتفاق النهائي معلقة إلى اجتماع جديد مقرر الأسبوع المقبل.
وأعلنت البعثة الأممية أن الاجتماع، الذي عقد الأربعاء برئاسة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، تناول الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق التي تعمل الأمم المتحدة على دفعها، مشيرة إلى أن المشاركين اتفقوا على آلية تعيين رئيس المفوضية، وواصلوا مناقشة البنود المتبقية في مسودة الاتفاق النهائي، من دون الكشف عن تفاصيل الآلية أو طبيعة النقاط التي لا تزال موضع تفاوض.
ويكتسب الاتفاق أهمية بالنظر إلى أن ملف رئاسة المفوضية ظل إحدى العقد التي أخرت استكمال التفاهمات داخل المسار المصغر، إذ سبق للمشاركين أن ناقشوا خلال اجتماعهم السادس، في 14 تموز / يوليو الماضي، آلية جديدة للوصول إلى مرشح توافقي، بعدما تأخر تنفيذ الترتيبات التي جرى التوصل إليها في الجولات السابقة.
وكان الاجتماع الأول للمجموعة، الذي عقد في روما في 29 نيسان / أبريل الماضي، قد انتهى إلى تفاهم بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية، يقوم على ترشيح النائب العام أحد رجال القضاء المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والحياد لرئاسة المفوضية، على أن يجري تعيينه وفق القواعد السارية. كما جرى الاتفاق حينها على أسماء ستة أعضاء للمجلس الجديد، ثلاثة عن مجلس النواب وثلاثة عن المجلس الأعلى للدولة.
تقدم بآلية الاختيار
لكن تعثر تنفيذ التفاهم المتعلق بالرئاسة أعاد الملف إلى طاولة المفاوضات، قبل اعتماد آلية جديدة خلال اجتماع تموز / يوليو، وصولاً إلى إعلان الاتفاق عليها بصورة نهائية في الجولة السابعة. ومع ذلك، لم تعلن البعثة حتى الآن اسم المرشح الذي قد يتولى رئاسة المفوضية، ما يعني أن التقدم الحالي يتعلق بآلية الاختيار أكثر من كونه حسمًا للشخص الذي سيشغل المنصب.
ويأتي ذلك ضمن مسار بدأته البعثة الأممية في نيسان / أبريل الماضي باعتباره محاولة لتجاوز الجمود الناتج عن عدم قدرة مجلسي النواب والدولة على استكمال التوافق بشأن القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل المفوضية، وهي ملفات ظلت تحول دون الانتقال من النقاشات السياسية إلى ترتيبات عملية لإجراء الانتخابات.
وعلى امتداد سبع جولات، انتقل الحوار تدريجيًا من إعادة تشكيل مجلس المفوضية إلى معالجة الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات. وبعد اجتماع روما الأول، عقد الاجتماع الثاني في تونس في 12 أيار / مايو، ثم الثالث في 5 حزيران / يونيو، وتركز على الأطر الدستورية والقانونية للانتخابات العامة، قبل أن تسجل الجولة الرابعة في 24 حزيران / يونيو تقدمًا بالتوافق بشأن قانون الانتخابات الرئاسية.
وفي الجولة الخامسة، التي عقدت في 6 تموز / يوليو، اتجه المشاركون إلى تكليف فريق عمل بصياغة مسودة الاتفاق النهائي استنادًا إلى التفاهمات السابقة، بينما شهد الاجتماع السادس في 14 تموز / يوليو إدراج غالبية النقاط المتفق عليها في المسودة ومواصلة معالجة الخلاف المتعلق برئاسة المفوضية. وجاء الاجتماع السابع ليحسم آلية هذا الملف، مع بقاء بنود أخرى يفترض استكمالها في الجولة الثامنة الأسبوع المقبل.
وتضم مجموعة «4+4» شخصيات من أطراف سياسية مختلفة، من بينها وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية، وليد اللافي، ومصطفى المانع، وعضوا مجلس الدولة عبدالجليل الشاوش وعلي عبدالعزيز، إلى جانب آدم بوصخرة وزايد هدية وعبدالرحمن العبار والشيباني بوهمود.
وبحسب تصريحات سابقة لأعضاء في المجموعة، يتركز عمل المسار على الملف الانتخابي ووضع إطار وجدول زمني للاستحقاق، ولا يمتد إلى ترتيبات السلطة التنفيذية أو الملفات العسكرية، في وقت لا تزال فيه ليبيا تعيش انقسامًا سياسيًا ومؤسسيًا، بعد أكثر من أربع سنوات ونصف على تعثر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كانت مقررة في كانون الأول/ ديسمبر 2021.
ورغم التقدم المسجل، يواجه المسار إشكالية تتجاوز صياغة الاتفاق إلى كيفية اعتماده وتنفيذه. فالتوصل إلى تفاهم داخل المجموعة المصغرة لا يعني تلقائيًا تحوله إلى قاعدة ملزمة للأطراف والمؤسسات الليبية، وهو ما يجعل آلية اعتماد الاتفاق النهائي واحدة من القضايا المنتظر أن تحدد مدى قدرة هذا المسار على إحداث اختراق فعلي في الأزمة.
كما واجه تشكيل المجموعة منذ البداية تحفظات سياسية. فقد اعترض رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي على الأسس التي تشكلت وفقها، مطالبًا بالتزام أي مسار بالمرجعيات الدستورية والسيادة الوطنية، فيما سبق لرئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة أن انتقد ما اعتبره إنشاء مسارات بديلة تتجاوز المؤسسات القائمة.
وتأتي التطورات الجديدة أيضًا وسط تحركات دولية موازية بشأن ليبيا، أبرزها اتصالات يقودها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، مع أطراف في شرق البلاد وغربها، ومحاولات لدفع تفاهمات تتعلق بتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية.
وأثارت التحركات الأمريكية بدورها جدلًا حول طبيعة التسوية التي يجري العمل عليها. وحذر الباحث الألماني المتخصص في الشأن الليبي، وولفرام لاخر، في مقال نشر حديثًا، من أن محاولة بناء تسوية مباشرة بين عائلتي عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر قد تؤدي إلى تكريس موازين القوى القائمة بدل معالجة جذور الأزمة، معتبرًا أن أي ترتيب لا يستند إلى قبول أوسع قد يفاقم التوترات داخل البلاد.
ويكشف تزامن المسارين الأممي والأمريكي عن اختلاف في المقاربة؛ ففي الوقت الذي يركز فيه مسار «4+4» على إزالة العقبات القانونية والمؤسسية أمام الانتخابات، تتناول التحركات الأمريكية ملفات أوسع مرتبطة بالسلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية والعلاقة بين القوى الرئيسية في الشرق والغرب.
ومع ذلك، يبقى الاختبار الأقرب للمسار الأممي هو الاجتماع الثامن المرتقب في تونس الأسبوع المقبل. فإذا نجح المشاركون في إغلاق البنود المتبقية والوصول إلى صيغة نهائية، سينتقل النقاش من مرحلة التفاوض على مضمون الاتفاق إلى السؤال الأكثر تعقيدًا: من سيعتمد الاتفاق؟ وكيف سيطبق؟ وما إذا كانت المؤسسات والقوى السياسية التي لم تشارك مباشرة في صياغته ستلتزم به.
وبذلك، تمثل الجولة السابعة تقدمًا ملموسًا في واحدة من أكثر النقاط تعقيدًا، لكنها لا تعني حتى الآن تجاوز الأزمة السياسية. فبعد حسم آلية اختيار رئيس المفوضية، باتت الأنظار تتجه إلى الجولة المقبلة لمعرفة ما إذا كان مسار «4+4» سيتمكن من إنهاء مسودة الاتفاق وتحويل أشهر من التفاهمات الجزئية إلى إطار انتخابي قابل للتنفيذ، أم إن الخلاف حول الاعتماد والشرعية سيعيد الأزمة إلى دائرة الجمود التي أعقبت تعثر انتخابات كانون الأول/ ديسمبر 2021.
ليبيا: «4+4» تتقدم نحو اتفاق انتخابي نهائي… حسم آلية رئاسة المفوضية وترحيل الملفات المتبقية إلى جولة ثامنة

