هل أصبح اسم زاهى حواس عالم الآثار المصرى الأشهر عالميًا جزءًا من تجربة سياحية فاخرة تتيح للأثرياء دخول مواقع أثرية لا يراها الزائر العادى؟ أم أن دوره لم يتجاوز تقديم محاضرات علمية ضمن برنامج سياحى تنظمه شركات متخصصة وفق الإجراءات الرسمية؟
اقرأ أيضا: «النقل» تتعامل مع 925 شكوى وطلبًا خلال يوليو بشأن خدمات السكك الحديدية
ســؤالان تصــدرا المشــهد بـعــد إعــلان شـركــة بولندية عن تنظيم رحلات استثنائية إلى مصر تحت شعار اسافر كأنك فرعون.. وادخل أماكن لا يراها سوى الملوك ورؤساء الدول، وهى الرحلات التى يصل سعرها إلى 17 ألف دولار للفرد الواحد، وتضمنت، بحسب ما أعلنته الشــركــة زيارات خاصة لمواقع أثرية ومقابر مغلقة أمام الجمهور، بمشاركة أسماء بارزة فى عالم الآثار، من بينها الدكتور زاهى حواس والدكتور مصطفى وزيرى.

القصة بدأت بإعلان ملون على صفحتين كاملتين فى مجلة اديسكفرب العلمية الشهيرة، لم يكن مجرد إعلان عن رحلة سياحية فاخرة، بل مادة دعائية ضخمة جذبت الأنظار بما حملته من صور وشعارات تروّج لتجربة استثنائية فى قلب الحضارة المصرية القديمة.
فالمجــلة الـتى اعـتاد قــراؤهـا مـتابـعــة أحـــدث النظريات فى علوم الفضاء والفيزياء حملت هذه المرة إعلانًا مدفوع الأجر لشركة سياحية بولندية تقدم ما وصفته بـرحلة العمر، متضمنة تجربة تتيح لضيوفها الاقتراب من أسرار الفراعنة فى أماكن لا تكون متاحة عادة لعامة الزائرين.

الرحلة تنظمها شركة آركيولوجيكال باثس (Archaeological Paths) برئاسة مديرها البولندى جريجورى بوبلاوسكى، فيما يصل سعر التجربة الفاخرة الموجهة إلى شريحة محددة من السائحين إلى 17 ألف دولار للفرد الواحد، أى ما يتجاوز 850 ألف جنيه مصرى تقريبًا.
وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد نموذج من نماذج سياحة الأثرياء والرحلات الفاخرة، إلا أن التفاصيل التى نشرتها الشركة عبر موقعها الرسمى وحملاتها الدعائية الدولية أثارت سلسلة من التساؤلات حول طبيعة هذه الزيارات، وحدود الدخول الحصرى للمواقع الأثرية، ومدى أحقية الشركات الخاصة فى تسويق الوصول إلى أماكن مغلقة أمام الجمهور.
كمـا وضـعـت هــذه الدعـايــة أسـماء بـارزة مثل الدكتور زاهى حواس والدكتور مصطفى وزيرى والجهات التابعة لوزارة السياحة والآثار أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة المشاركة، وآليات تنظيم هذه الرحلات، وما إذا كانت تخضع بالكامل للقواعد المنظمة للعمل الأثرى والسياحى.
دخول خاص
لم تكتف الشركة البولندية بالترويج لتجربة سياحية فاخرة، بل ركزت فى موادها التسويقية على ما وصفته بـاالوصول الحصرىب إلى مناطق أثرية لا تكون متاحة عادة أمام الجمهور.
وتضـمنت الدعـايـة بحسـب ما نشرته الشركة إتاحة زيارات خاصة إلى مواقع حفائر نشطة، ومقابر وأهرامات مغلقة أمام السائحين العاديين، إلى جانب تنظيم زيارات فى أوقات خاصة وخارج ساعات العمل الرسمية لبعض المعالم الكبرى فى الأقصر والجيزة، من بينها معبد الأقصر والأهرامات وأبو الهول.
كما اعتمدت الشركة فى الترويج لرحلاتها على عنصر الغطاء الأكاديمى، من خلال الإشارة إلى مشاركة عدد من الشخصيات الأثرية البارزة، من بينهم الدكتورة جيهان السادات قبل رحيلها، والدكتور زاهى حواس الذى أعلنت مشاركته لإلقاء محاضرات أمام مجموعات الرحلة، إلى جانب الدكتور مصطفى وزيرى، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للآثار.
تشير القواعد المنظمة للمجلس الأعلى للآثار إلى وجود نظام الفتح الخاص (VIP Opening)، وهو نظام يتيح للجهات والشركات التقدم بطلبات رسمية لتنظيم زيارات خاصة للمواقع الأثرية المغلقة أو الزيارة خارج مواعيد العمـــل الرسمـــية، مقـــــابل سـداد الرسوم المقررة، بما يساهم فى دعم موارد المجلس وتمويل أعمال الترمـيــــم والصـيانـــة والحفائر.
ويرى المؤيدون لهــــذا النظــام أن السياحــة الفاخرة تمــثل أحــد روافد الترويـــج للحضـارة المصــــريــة، وأن تـقــديـــم تجــارب استثنائية للسائحين من مختلف أنحاء العالم يمكن أن يجذب شرائح جديدة من الزوار القادرين على الإنفاق، خاصة عندما ترتبط هذه التجارب بشخصيات علمية وأثرية ذات شهرة عالمية.
ويؤكد أصحاب هذا الرأى أن مشاركة علماء آثار وشخصيات متخصصة فى هذه الرحلات لا تعنى منح امتيازات خاصة، وإنما تمثل أداة للتعريف بالحضارة المصرية وتقديم محتوى علمى يرفع من قيمة التجربة السياحية.
لكـن يبقــى الســؤال الأهــم: هــل تطبق قواعد الفتح الخاص على الجميع بالمعايير نفسها؟
فبين مــن يــرى فــى هــذه الرحــلات نمـوذجًا للاستفادة الاقتصادية من التراث المصرى، ومن يعتبرها تحويلًا للمعالم التاريخية إلى امتياز خاص لفئة قادرة على الدفع يظل الفيصل هو الوضوح والشفافية الكاملة فى الإجراءات، وآليـــات الموافقــات، وطــريـقـــة تحصــــيل الرسوم، والجهات المسئولة عن الرقابة.
رد حواس
وحرصًا على إتاحة حق الرد والالتزام بالقواعد المهنية تم التواصل مع الدكتور زاهى حواس لعرض التساؤلات المثارة حول طبيعة مشاركته فى هذه الرحلات، وما إذا كان له دور فى تنظيمها أو منح أى تسهيلات خاصة للشركة المنظمة.
وأكد حواس أن علاقته بالشـــركـــة تقتصـــر على تقـــــديـــم المحاضـــرات العلمــية، نافــياً وجـود أى علاقة تجارية أو تنظيمـــية تربـطـــه بها.
اقرأ أيضا: لزيادة المشاهدات.. كيف تحولت الثانوية العامة إلى ساحة للنصب الإلكترونى؟
وقال: اهذه الشركة السياحية أقدم لها محاضرات فقط، ومعى الدكتور مصطفى وزيرى والدكتور محمد إسماعيل، وجميع شركات السياحة فى مصر تعمل فتحًا خاصًا وفق الإجراءات المتبعة، ولا تحصل هذه الشركة على أى مجاملات أو استثناءات إطلاقًا، هى شركة بولندية مصرية، وأنا أقدم لهم محاضرة فقط، وليس لى أى صلة بالشركة من الناحية التجارية أو الإداريةب.
وأضاف: الا تحصل الشركة على أى شىء إضافى عن أى شركة أخرى، فالجميع يخضع للقواعد والقوانين نفسها، وأنا دورى محاضر فقطب.
وحول القيمة المالية التى أعلنتها الشركة عن الرحلة، التى تصل إلى 17 ألف دولار للفرد، أوضح الدكتور زاهى حواس أن تحديد أسعار البرامج السياحية أمر يخص الشركة المنظمة وحدها.
وقال: قيمة الرحلة أو السعر الذى تحدده الشركة ليس من اختصاصى، سواء كانت تنظم الرحلة بمائة ألف دولار أو بعشرة دولارات، فهذا شأن تجارى خاص بها. أنا أقدم المحاضرة فقط، ولا أتدخل فى أى تفاصيل مالية أو تنظيمية.
اقرأ أيضا: نائب حاكم كاليفورنيا تستعيد ذكريات زيارة الأهرامات مع زاهي حواس
وشدد على رفضه المشاركة فى أى نشاط يخالف القواعد المنظمة للعمل الأثرى، قائلًا: الا يمكن أن أشارك مع شركة ترتكب أى مخالفة، فهذا أمر مستحيل وغير مقبول. ولم أتدخل يومًا للحصول على أى امتيازات أو استثناءات لأى جهة، وكل ما يحدث يتم وفق الإجراءات والقوانين المعمول بهاب.
وحول آلية السماح بفتح المواقع الأثرية أمام المجموعات الخاصة، أوضح الدكتور زاهى حواس أن الأمر يتم من خلال إجراءات رسمية لدى وزارة السياحة والآثار والمجلس الأعلى للآثار.
وقال: جميع الشركات تتقدم بطلبات رسمية إلى وزارة السياحة والآثار، تحدد خلالها الموقع المطلوب زيارته، واليوم والوقت المناسبين، ثم تسدد الرسوم المقررة، وبعد استكمال الإجراءات يتم السماح لها بالدخول.
وأضاف: اهذا النظام لا يخص شركة بعينها، وإنما تطبقه جميع شركات السياحة التى ترغب فى تنظيم زيارات خاصة، ويمكن الرجوع إلى المجلس الأعلى للآثار للتأكد من اللوائح والقواعد المنظمة لهذا الأمر.
وفــى النهايــة يبقى التحـــدى الحـقيقــى أمــام منظومة إدارة التراث المصرى هو تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية من المواقع الأثرية، وجــذب السياحة الفاخرة، وبين الحفاظ على قيمة هذه المواقع باعتبارها إرثًا إنسانيًا مشتركًا، فالحضارة المصرية ليست مجرد منتج سياحى، لكنها ذاكرة أمة وتاريخ إنسانية كاملة، ولذلك فإن أى تجربة لعرضها أمام العالم يجب أن تقوم على قواعد واضحة، وشفافية كاملة، وحماية صارمة للأثر قبل أى اعتبار آخر.
اقرأ أيضا: الإحصاء: 12.9 مليار دولار صادرات مصر خلال الربع الأول من عام 2026
