
لم يحتج المحتالون هذا العام إلى كسر أنظمة إلكترونية أو اختراق قواعد بيانات وزارة التربية والتعليم ولم يسرقوا نتائج الطلاب كما تصور البعض بل سرقوا شيئًا أخطر بكثير.. سرقوا ثقة آلاف الأسر؛ ففي لحظات كانت فيها القلوب معلقة بشاشة التليفون انتظارًا لنتيجة الثانوية العامة، نجح مجهولون في استغلال القلق واللهفة ودفعوا آلاف الطلاب وأولياء الأمور إلى تصديق نتائج لم تكن موجودة إلا داخل صفحات إلكترونية مزيفة.
اقرأ أيضا: الإحصاء: 12.9 مليار دولار صادرات مصر خلال الربع الأول من عام 2026
دقائق من الفرح الوهمي تحولت إلى صدمة وشائعات وبلاغات ومطالبات بإعادة التصحيح قبل أن تكشف الحقيقة عن واحدة من أخطر وقائع النصب الإلكتروني التي صاحبت إعلان نتيجة الثانوية العامة والتي سنناقشها ونكشف عنها في السطور التالية.
السيناريو كان محكمًا إلى درجة يصعب معها اكتشاف الخدعة من النظرة الأولى، فالبداية بدأت بروابط إلكترونية تحمل شكلا رسميًا وصفحة تشبه مواقع إعلان النتائج، وبيانات يكتبها الطالب بنفسه ثم درجات تظهر في ثوانٍي وكأنها خرجت للتو من قاعدة بيانات وزارة التربية والتعليم.
لم يشك أحد في الأمر لأن الجميع كان يعيش اللحظة نفسها لحظة انتظار قد تحدد مستقبل طالب وهو ما جعل آلاف الأسر تقع في الفخ قبل أن تنكشف الحقيقة وتتحول الفرحة إلى صدمة واليقين إلى شك والأسئلة إلى انهيارات ومطالبات بالتحقيق.
وخلال الأيام الماضية رأينا عددا من الطلبة وأسرهم الذين قالوا إن النتيجة تمت تغييرها بعدما كانت درجاتهم في اللينكات التي دخلوا عليها تصل ليكونوا من الاوائل وبعدها عندما دخلوا مرة أخرى للمواقع الإلكترونية المعتمدة اكتشفوا أنهم راسبين مثلما حدث مع طالبة البحيرة ريم والتي حدث لغط كبير في قصتها بعدما اكتشفت انها حاصلة على 4% فقط من المجموع رغم ان أحد اللينكات التي دخلوا عليها أعلنت لهم انها حصلت على 92%!
هؤلاء لم يستمعوا لنصائح وزارة التربية والتعليم التي شددت على أن النتيجة لم يجرِ تعديلها بعد اعتمادها وأن جميع ما أُثير بشأن تغيير الدرجات لا أساس له من الصحة.
موقع رسمى واحد
أكد شادي زلطة المتحدث الرسمي باسم وزارة التربية والتعليم؛ أن الموقع الإلكتروني الرسمي للوزارة هو المصدر الوحيد لإعلان نتيجة الثانوية العامة محذرًا من الروابط الوهمية التي تستغل الطلاب وأولياء الأمور لتحقيق زيارات أو مكاسب غير مشروعة.
مشيرًا إلى أن الوزارة رصدت عددًا كبيرًا من هذه الروابط وتتابعها لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة داعيًا الطلاب وأولياء الأمور إلى عدم التعامل مع أي مواقع غير معتمدة.
لكن السؤال الذي فرض نفسه بقوة كان كيف نجح المحتالون في إقناع هذا العدد الكبير من الضحايا؟ وهل تمكنوا بالفعل من اختراق قواعد بيانات وزارة التربية والتعليم؟ أم أن ما حدث لم يكن سوى خدعة إلكترونية استغلت حالة الترقب والقلق التي يعيشها الطلاب وأسرهم؟!
المؤكد هو أن سيرفرات الوزارة كانت آمنة ولم يحدث أي اختراق لكن ما حدث كان أبسط من ذلك بكثير لكنه في الوقت نفسه أكثر خطورة لأنه اعتمد على استغلال ثقة المستخدم وليس اختراق الأنظمة الحكومية.
خدعة النتيجة
فبحسب عدد من المتخصصين في البرمجة وأمن المعلومات؛ فإن الموقع المتداول لم يكن يمتلك أي اتصال بقاعدة بيانات وزارة التربية والتعليم ولم يكن قادرًا على استخراج نتائج الطلاب من الأساس بل كان يعتمد على برمجة بسيطة تُولد درجات عشوائية بمجرد إدخال الاسم ورقم الجلوس.
ويشرح المهندس خالد أسامة أحد المتخصصين في البرمجة آلية عمل الموقع مؤكدًا؛ أنه يتحقق أولا من أن رقم الجلوس يتكون من سبعة أرقام وأن الاسم مكتوب بصورة تبدو منطقية ثم يبدأ في إنشاء درجات عشوائية داخل نطاق مرتفع يمنح المستخدم انطباعًا بأن النتيجة حقيقية قبل توزيعها على المواد الدراسية بصورة متناسقة.
ولإضفاء مزيد من المصداقية يحفظ الموقع هذه البيانات داخل متصفح المستخدم باستخدام تقنية تعرف باسم “LocalStorage” بحيث إذا أعاد الطالب إدخال بياناته مرة أخرى تظهر له النتيجة نفسها فيعتقد أنها محفوظة على خادم رسمي بينما هي في الحقيقة مخزنة على جهازه الشخصي فقط.
ويؤكد خبراء الأمن السيبراني؛ أن هذه الطريقة تعد أحد أشهر أساليب الهندسة الاجتماعية وهي نوع من الجرائم الإلكترونية يعتمد على خداع الضحية نفسيًا أكثر من اعتماده على اختراق الأجهزة أو الأنظمة إذ ينجح المحتال في إقناع المستخدم بأنه يتعامل مع جهة رسمية فيتخلى بنفسه عن كل وسائل التحقق.
ويقول المهندس محمود حسن خبير أمن المعلومات: إن المحتالين اختاروا التوقيت بعناية فخلال ساعات إعلان نتيجة الثانوية العامة يكون الجميع في حالة ترقب وقلق وهو ما يجعل فرص التحقق من مصدر الرابط أو صحة الموقع أقل بكثير ويزيد من احتمالات الوقوع ضحية للخداع.
ويضيف؛ أن تصميم صفحات تشبه المواقع الحكومية لم يعد أمرًا معقدًا لكن الخطورة الحقيقية تكمن في سرعة تداول الروابط عبر مواقع التواصل الاجتماعي حيث تنتشر آلاف المرات خلال دقائق ويمنحها المستخدمون المصداقية بمجرد مشاركتها مع الآخرين دون التأكد من مصدرها.
فما حدث لم يكن مجرد مقلب إلكتروني كما وصفه البعض بل يفتح الباب أمام شبهة ارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون تبدأ بانتحال صفة جهة رسمية ولا تنتهي عند تضليل المواطنين وتحقيق مكاسب مالية من خلال الخداع.
اقرأ أيضا: اكتشاف في جبال الألب.. العثور على آلاف آثار أقدام ديناصورات عمرها 200 مليون عام
وتؤكد المحامية يارا طلعت أن إنشاء مواقع إلكترونية أو صفحات تنتحل صفة جهات حكومية أو توهم المواطنين بالحصول على خدمات رسمية مقابل تحقيق أرباح أو جمع بيانات قد يندرج تحت جرائم النصب والاحتيال الإلكتروني فضلا عن مخالفته لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
وأوضح أن العقوبات تختلف وفقًا لملابسات كل واقعة إلا أن استخدام وسائل إلكترونية لخداع المواطنين أو الإضرار بهم قد يعرّض مرتكبيها للحبس والغرامة خاصة إذا ثبت تحقيق منفعة مالية أو انتحال صفة جهة رسمية.
اقرأ أيضا: ضبط متهمين بالنصب عبر صفحة تسويق إلكتروني والاستيلاء على أموال المواطنين بالقاهرة
صدمة نفسية
لم تتوقف آثار الواقعة عند الجانب القانوني بل امتدت إلى الجانب النفسي بعدما عاش كثير من الطلاب وأسرهم ساعات بين فرحة عارمة وحزن شديد قبل أن يكتشفوا أن كل ما رأوه لم يكن سوى أرقام لا علاقة لها بالحقيقة.
يقول الدكتور جمال حسني استشاري الطب النفسي: إن طالب الثانوية العامة يكون في أعلى درجات التوتر والانفعال وقت إعلان النتيجة ولذلك فإن تعرضه لمثل هذه الخدعة قد يسبب صدمة نفسية حقيقية خاصة لمن اعتقد أنه حقق حلمه ثم اكتشف العكس أو لمن ظن أنه رسب قبل أن تظهر نتيجته الحقيقية.
وأضاف؛ أن هذه المواقف قد تؤدي إلى اضطرابات نفسية مؤقتة مثل القلق الحاد والانهيار العصبي ونوبات البكاء وفي بعض الحالات قد تؤدي إلى تفكير الطالب بالتخلص من الحياة أو حتى الموت قهرا مثلما حدث هذا العام عندما أنهى طالب وطالبة حياتهما بسبب النتيجة.
وهنا يأتي دور الأسرة مؤكدا أن الأسرة يجب أن تتحقق من المعلومات من مصادرها الرسمية قبل نقلها إلى الأبناء حتى لا يتحول الترقب الطبيعي إلى أزمة نفسية.
كشفت واقعة النتيجة الوهمية أن الجريمة الإلكترونية لم تعد تستهدف الحسابات البنكية أو بطاقات الائتمان فقط بل أصبحت تراهن على مشاعر الناس وتستغل أكثر اللحظات حساسية في حياتهم.
اقرأ أيضا: خلال يوليو.. «البترول» تعالج غالبية شكاوى خدمات الغاز والشبكات والفواتير
