تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

تحت ضغط سعودي وتهديدات إيرانية.. ترامب يتراجع ويمنح الدبلوماسية فرصة أخيرة

Ahmed Shokre5 دقائق قراءة0 مشاهدة

في تحول لافت قد يعيد رسم ملامح الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ ضربة عسكرية جديدة ضد أهداف إيرانية، مفضلًا منح المسار الدبلوماسي فرصة جديدة بعد تحذيرات إقليمية من تداعيات التصعيد، وفي مقدمتها المخاوف السعودية من اندلاع مواجهة واسعة قد تهدد أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة العالمية.

ويأتي هذا التطور بعد أسابيع من التوتر غير المسبوق بين واشنطن وطهران، والذي شمل عمليات عسكرية متبادلة، وتهديدات بإغلاق مضيق هرمز، وارتفاعًا ملحوظًا في أسعار النفط، ما دفع العديد من القوى الإقليمية والدولية إلى تكثيف جهودها لاحتواء الأزمة قبل تحولها إلى حرب مفتوحة.

تحول في موقف البيت الأبيض
بحسب صحيفة The Guardian، أعلن ترامب أنه قرر عدم المضي في تنفيذ ضربة عسكرية جديدة، مشيرًا إلى أن اتصالات جرت مع عدد من دول المنطقة، إضافة إلى رسائل غير مباشرة من إيران، دفعت الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم الموقف.

وأكد الرئيس الأمريكي أنه لا يزال يفضل التوصل إلى اتفاق يضمن أمن الملاحة في الخليج ويمنع إيران من تطوير برنامجها النووي العسكري، موضحًا أن الخيار العسكري لم يُستبعد بالكامل، لكنه لن يكون الخيار الأول إذا أبدت طهران استعدادًا للدخول في تسوية سياسية.

ويعكس هذا الموقف تغيرًا ملحوظًا مقارنة بالتصريحات السابقة التي اتسمت بلهجة أكثر تشددًا، وهو ما اعتبره محللون محاولة لتحقيق الأهداف الأمريكية عبر الضغط السياسي والاقتصادي دون الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة.

السعودية تتحرك لمنع الانفجار
لعبت المملكة العربية السعودية دورًا بارزًا في تهدئة الموقف، إذ نقلت تقارير دولية أن القيادة السعودية حذرت واشنطن من أن أي هجوم جديد قد يدفع إيران إلى استهداف منشآت الطاقة الخليجية، وهو سيناريو سبق أن أثار قلقًا عالميًا بعد الهجمات التي تعرضت لها منشآت أرامكو في عام 2019.

وتدرك الرياض أن أي مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لن تقتصر آثارها على الجانبين، بل ستمتد إلى أمن الخليج بالكامل، وقد تؤدي إلى تعطيل صادرات النفط ورفع أسعار الطاقة بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي ستكون له انعكاسات اقتصادية عالمية.

كما تسعى المملكة إلى الحفاظ على حالة التهدئة التي شهدتها علاقاتها مع إيران خلال الأعوام الأخيرة، وعدم السماح بانهيارها نتيجة صراع جديد بين طهران وواشنطن.

رسائل إيرانية شديدة اللهجة
في المقابل، واصلت إيران توجيه رسائل تحذيرية، مؤكدة أن أي ضربة أمريكية جديدة ستواجه برد واسع يشمل المصالح الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى احتمال استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية في الدول التي تقدم دعمًا عسكريًا أو لوجستيًا للولايات المتحدة.

وتعتبر طهران أن أمن الخليج مترابط، وأن أي تهديد لأمنها سيقابله تهديد مماثل لمصالح خصومها، وهو ما يفسر التصريحات الإيرانية المتكررة بشأن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا.

مضيق هرمز.. نقطة الاختناق العالمية
يظل مضيق هرمز العنصر الأكثر حساسية في الأزمة الحالية، إذ يربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب، ويمثل الشريان الرئيسي لصادرات النفط من السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر وإيران.

وأي تعطيل لحركة الملاحة في المضيق قد يؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز، فضلًا عن زيادة تكاليف الشحن والتأمين البحري.

ولهذا السبب، تتابع القوى الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها الصين واليابان والهند ودول الاتحاد الأوروبي، تطورات الأزمة بحذر شديد، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة القادمة من الخليج.

إسرائيل ومعادلة الردع
يأتي التراجع الأمريكي أيضًا في ظل استمرار التنسيق الوثيق مع إسرائيل، التي ترى أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

ورغم تأكيد واشنطن التزامها بأمن إسرائيل، فإن الإدارة الأمريكية تبدو حريصة على تجنب حرب طويلة قد تستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية، خاصة مع استمرار الأزمات الدولية الأخرى.

ويرى مراقبون أن الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على سياسة “الردع دون الانزلاق إلى الحرب”، بحيث تبقي الضغوط العسكرية والاقتصادية قائمة، مع ترك الباب مفتوحًا أمام التفاوض.

أبعاد اقتصادية عالمية
لم تعد الأزمة مقتصرة على الجوانب العسكرية، إذ انعكست سريعًا على الأسواق العالمية، حيث شهدت أسعار النفط تقلبات حادة، بينما ارتفعت تكاليف التأمين على السفن العابرة للخليج.

كما تزايدت المخاوف من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى موجة تضخم عالمية جديدة، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة وتأثر سلاسل الإمداد الدولية.

ويرى خبراء الاقتصاد أن استمرار التوتر قد يدفع البنوك المركزية إلى إعادة تقييم سياساتها النقدية، إذا ما أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة معدلات التضخم عالميًا.

هل تنجح الدبلوماسية؟
يرى محللون أن قرار ترامب يمثل “نافذة دبلوماسية” قد تمنح الوسطاء الإقليميين والدوليين فرصة لإحياء المفاوضات بين واشنطن وطهران، خصوصًا في ظل رغبة معظم دول المنطقة في تجنب حرب جديدة.

لكن في المقابل، يحذر خبراء من أن هذه النافذة قد تكون قصيرة، إذ إن أي حادث عسكري أو هجوم على القوات الأمريكية أو استهداف للملاحة الدولية قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

كما يبقى مستقبل المفاوضات مرتبطًا بقدرة الطرفين على تقديم تنازلات متبادلة، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.

مستقبل الأزمة
ورغم مؤشرات التهدئة، فإن الأزمة لا تزال بعيدة عن الحل النهائي. فالولايات المتحدة تؤكد استمرار سياسة الضغط القصوى إذا فشلت المفاوضات، بينما تصر إيران على أن أي اتفاق يجب أن يتضمن رفع العقوبات واحترام سيادتها.

وبين هذين الموقفين، تبقى المنطقة أمام مرحلة دقيقة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، فيما يواصل الوسطاء الإقليميون، وعلى رأسهم السعودية، جهودهم لمنع تحول المواجهة الحالية إلى حرب قد تكون الأكثر خطورة في الشرق الأوسط منذ سنوات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *