‫ القطاع المصرفي.. نظرة وتحديات

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

القطاع المصرفي.. نظرة وتحديات

تحديات كبيرة، وحرب خفِية تدور أحداثها بين أروقة البنوك وغرف المصرفيين، مواد غذائية شحيحة أو غير شحيحة تُمسك بأيديها زمام الأسعار لتنظر دائما للأعلى، نيران تلتهم المحاصيل الزراعية وتلتهم أيضا ما بقي في جيوب المُستهلكين من نقود، كانت قد سبقتهم إليها الحرب الروسية الأوكرانية وما سبّبته من تضخم ومن ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، نعم، إنه عام صعب وخاصة على القطاع المالي المصرفي، فإذا عُدنا للقصة من البداية فإن سنة الكورونا والحرب الروسية الأوكرانية وما تلاها من نقص في المواد وارتفاع في أسعارها كانت جميعها أسبابا كافية لحمل الحكومات والمصارف المركزية في كثير من الدول للتدخل في حل هذه المُشكلة، وهنا كان الدور الرئيسي للفيدرالي الأمريكي الذي شن حملة كُبرى ضد التضخم واعتبر أنه المُستهدف الأول في هذه الأوضاع فوضع سياسة تشدُّدِية قام عبرها برفع أسعار الفائدة عشر مرات مُتتالية وصلت بها أسعارها من مُستويات 0.25 في مارس 2022 إلى مستويات 5.25 % إلى 5.5 % في شهر أغسطس 2023 وهو ما يُعادِل الارتفاع بحوالي العشرين ضعفا عما كانت عليه حينها، هذا الارتفاع السريع والحاد دون أي هوادة كان هو نفسه الأمر الذي بات يُقلِق كثيرا من رواد الأعمال وأصحاب الاستثمارات منذ ذلك الحين وحتى يومِنا هذا، خاصة مع حديث الفيدرالي الأخير والوارد في تقريره حول وجود احتمالية بل وإمكانية ليست بالقليلة لاستمرار رفع أسعار الفائدة لعِدة مرات قادمة، تغيرات سريعة وغير مسبوقة عصفت في القطاع البنكي حول العالم فشاهدنا خلال العام وحتى الآن مشاكل الإفلاس تلاحق ثلاثة بنوك أمريكية عداك عن البنك السويسري الشهير “كريدي سويس” والذي عانى ما عانى خلال الأشهر القليلة الماضية ليصل اليوم سعر السهم فيه إلى ما دون الدولار ليُحقِّق 0.82 دولار بعد أن كان عند مستويات 73 دولارا للسهم في شهر أبريل من العام 2007، فترة صعبة تواجِهُها الشركات والبنوك على حدِّ سواء، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي علاقة البنوك بما يدور حاليا من مستويات للتضخم ورفع أسعار الفائدة؟ أليست البنوك هي المُستفيد الأول من هذا الرفع؟ وما هي علاقة البنوك بالركود وما هي التحدِّيات الحقيقية والمشاكل أساسية التي تواجه البنوك اليوم في نطاق أعمالِها؟
أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة أن أساس عمل البنوك بشكل عام ونشاطها الرئيسي يتمثل في استقبال ودائع المودعين وحِفظها مع إعطائهم فوائد مقابل الاحتفاظ بها في هذا البنك، ومن ثم استخدام هذه الإيداعات بالإضافة لمصادر الأموال الأخرى الموجودة في البنك قي تقديم قروض مالية للمُستثمرين والراغبين في الحصول على القروض ضمن شروط مُعينة تتمثل في سياسات عمل البنك على أن تكون الفوائد التي يحصل عليها البنوك من المُقترضين أعلى مما يقدمونه لمودعيهِم وهو ما يساعد البنك في تحقيق أرباح استثمارية تتمثل في الفرق بين هذه الفوائد، لكن ومع مرور الزمن فقد أخذت بعض البنوك في استثمار الأموال الفائضة الموجودة لديها في مشاريع تعتقد أنها ستُحقِّق أرباحا تفوق تلك الفوائد وبالتالي تستطيع هذه البنوك تنويع مصادر العمل والاستفادة من فوائض الإيداعات في حال وجودها، وهو الأمر الذي جعل من قرارات هذه البنوك الاستثمارية هي العامل الحاسم في نجاحِها أو تعرضِها لأي نوع من المشاكل والتهديدات المالية، وهو أيضا ما يجعل من أي حالة مُتوقعة من الركود والتي قد يتعرض لها الاقتصاد في أي دولة تُمثِّل تهديدا حقيقيا لاستثمارات المصارف في هذه الدول وهو ما يُمكِن أن نعتبره التحدي الأول للبنوك في هذه الفترة.
أما التحدي الثاني فهو قد يواجه البنوك التي تُمثِّل قيمة الفوائد التي تحصل عليها من استثماراتها بالإضافة إلى القروض الممنوحة لعملائها مبالغ أقل من قيمة الإيداعات أو القروض الممنوحة لها كبنوك وهو ما يجعل هذه البنوك تلتزم بدفع مبالغ مالية تفوق ما تحصل عليه وهو الأمر الذي يرتفع وبشكل كبير مع ارتفاع أسعار الفوائد وبالتالي ينقل هذه المصارف إلى مرحلة الخطر والتهديد نظرا لارتفاع قيمة التزاماتها مقابل إيراداتها وهو ما شهِدناه في بنك “كريدي سويس” مثلا هو ما يأخذنا إلى حقيقة أساسية وهي أن عملية الإقراض والاقتراض هي الأساس الأهم لعمل البنوك وهو ما يجعل من أسعار الفائدة وصافي قيمة القروض والمبالغ المُقترضة هي العامل الأساسي للبنوك والمصارف.
كذلك فإنه من المهم الأخذ بعين الاعتبار بأن الظروف الحالية وارتفاع تكلفة خدمة الديون ودفعاتها الشهرية بسبب ارتفاع قيمة الفوائد جعل من عملية السداد أكثر صعوبة وخاصة بالنسبة لبعض المُقترضين الذين يمرون بفترة من التعثُّر أو الانخفاض في الأعمال وهو ما يُجبِر البنوك على اقتطاع جزء من أرباحها تحت مُسمى “المُخصصات” وهو ما يتم خصمه من الأرباح الخاصة بها.
أما التحدي الأخير فهو أنه وبعد ارتفاع أسعار الفائدة فقد أصبحت عملية الاقتراض نفسها أقل إغراء لكثير من العُملاء وبالتالي فإن حجم الأعمال المُتوقع أصبح أقل بكثير مما كان عليه سابقا وهو ما يُجبر بعض البنوك على أخذ مُخاطرة الاستثمار الخارجي بشكل أكثر وهو الموضوع الذي يحمل بين طياته الكثير من المخاطر والتهديدات.
وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن القطاع البنكي اليوم وبالرغم من تزايد أهميته ودوره الحيوي في دعم الشركات في ظل هذه الظروف إلا أنه يمر بفترة صعبة جدا من التحديات تتمثل أولا في تحصيل القروض والديون الممنوحة لعملائه ومن ثم أيضا في الاستثمار واستغلال الفائض من الإيداعات والأموال الموجودة لديه في عالم اقتصادي يواجه خطر الركود والتضخم، وهنا أستذكر مقولة “مارك توين” الذي يقول “البنك هو شخص يقرضك شمسية عندما تكون الشمس ساطعة ويريد أن يستعيدها منك في اللحظة التي يبدأ فيها المطر”.

اقرأ أيضا: ‫ كيف ينشأ النادي الرياضي الاحترافي؟

‫0 تعليق

اترك تعليقاً