الشام.. وجود لا يغيب

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

هناك بقاع على كوكب الأرض اختصتها الطبيعة بميزات فريدة من حيث الطقس الرائع والأرض المنبسطة والهواء العليل، كما أضيف إلى ذلك كله أنها أرض الأنبياء والمرسلين، وأنها أرضٌ تزاحم عليها المريدون وعشقها البشر من مختلف القوميات والديانات فهم سكان البحر المتوسط لأنهم أبناء شعوب اقليم البحر المتوسط، وها انا اختار عبر السطور القادمة أرض الشام بما تحمله من أصداء تاريخية ومكانة قومية وآثار عربية وإسلامية تقاطر عليها البشر من كل جنس وسعى إليها كل من عرف قدرها، وأنا أظن صادقًا أن الصراع الذى يدور حول تلك البقاع هو صراعٌ لا تخفى رسائله عن المتخصصين خصوصا أولئك الذين يتذوقون الحضارات ويفهمون المعانى الحقيقية للمواقف والسياسات، وعندما مضى ساعى البريد يحمل رسالة أهل الشام إلى أبناء مصر وغيرها من جوار الاقطار العربية تقاطر على أرضها بشرٌ من كل جنس ولون يسعون إلى العيش فى تلك الأرض المباركة التى لاذ بها الأنبياء، وضعف أمامها كل من طال به المقام أو استمر فى تلك البقاع المقدسة، وظلت شعوب المشرق العربى وغرب آسيا تصارع فى حالة شد وجذب تسعى إلى أرض الشام فى وقت برزت فيه الأطماع الاستعمارية والمشروعات المصطنعة التى تتحدث عن صفقة القرن وسيطرة ما يسمى بالديانة الإبراهيمية على المنطقة، والشعوب التى تسكن أقطارها هم مزيجٌ من قوميات مضت، ولكنها تركت بصمات قوية على الشرق الأوسط وانتجت سبيكة إسلامية مسيحية يهودية استقبلت رسالات السماء بحماس زائد واستجابة ظلت مؤشرًا للتسامح المتبادل والعيش المشترك، كما بقيت ملتقى الأمم الأخرى التى رأت فى أرض الشام وأجوارها حياة رغدة وطبيعة جاذبة ومناخًا فكريًا يتوافق مع الدعوة إلى السلام ويبشر بالرغبة فى السعى نحوالاستقرار، ولكن الأمر لم يكن سخاءً رخاءً كما تصور البعض، ولكنه عرف الاختراعات النامية والأطماع التى تطل على المنطقة من كل اتجاه حتى برز المشروع الصهيونى الكبير الذى كانت له جذوره من العصور الوسطى التى امتزجت فيها الدوافع الدينية والمشاعر القومية حيث ظهر المشروع الصهيونى ينذر بأوخم العواقب وأخطر النتائج فسرق اليهود شعبًا بأرضه ومقدراته، بل وامتدت أطماعه لتخترق النسيج المشترك بين سكان تلك المنطقة، النادرة التى هاجر منها الملايين كما استقر فيها ملايين أخرى، والكل يمضى فى صراع دامٍ وصدام لا يتوقف حول الأرض والطاقة والمياه، بينما لصوص الشعوب يطلون على المنطقة من كل جانب، إن العالم العربى بدوله والشام على نحو خاص تمثل أيقونة فريدة فى قلب هذا العالم بثرواته المادية والبشرية والتى أضحت عنصر جذب للقوى الأجنبية المختلفة، سواءً كانت الجاذبية ناجمة عن الإعجاب به أو الطمع فيه، وهل ينسى العرب وفى مقدمتهم المصريون أن ازدهار الأدب والفن وتألق الثقافة والفكر فى أرض الكنانة إنما نجم عن جاذبية روح الشام واختيار أدبائه ومفكريه لمصر شقيقة بلادهم لكى تكون نقطة التقاء وبؤرة تألق تحسب لمصر والشام معًا فى مواجهة التحديات الاستعمارية والظروف التى طرأت على المنطقة منذ سقوط الدولة العثمانية وتشرذم بعض الكيانات العربية فى صراعات عانى منها الإنسان العربى أكثر من غيره ودفع فيها شعب بالكامل فاتورة وجوده مع أنه يملك أسباب البقاء والتراث الذى يشهد بجذوره فى أرضه وحقه فى وطنه وأعنى به الشعب الفلسطينى الباسل، وهنا أنبه إلى أن فلسطين الكيان العربى كانت ولا تزال ويجب أن تبقى جزءًا لا يتجزأ من الشام الكبير الذى نقصد به سوريا وملحقاتها من دول عربية مستقلة نميز فيها دولة لبنان وشعبه المتألق دائمًا والتى يطل منها إشعاع قومى نادر لا يخبو أبدًا، ولعلى أسجل هنا ملاحظات ثلاثا: أولًا: إن سوريا تستعيد عافيتها رغم المعوقات التى تعترض طريقها والصراعات التى تتحدى وجودها فالكثيرون لا يريدون لها الاستقرار وحيازة دور حيوى يليق بقيادة الشام فكرًا وسياسة وأسلوبًا، ويأمرون ان تقع هى وغيرها فريسة للدعوة الابراهيمية التى تجرأت واشنطن وجعلتها شرطا للتعاون النووى السلمى المطلوب. ثانيًا: إن الموزاييك الذى تتسم به الشخصية السورية التى تضم عربًا وأكرادًا وتحتوى سنة وشيعة ودروزًا يصنع فى النهاية سبيكة لامعة لدولة متميزة لعبت أدوارًا تاريخية كبرى منذ تأكد البناء فى عصر معاوية بن أبى سفيان وتواصله تحت مظلة الحضارة العربية الإسلامية والتى يبقى المسجد الأموى واحدًا من علاماتها التى تجمع الجميع من سنة وعلويين إلى جانب الأضواء القادمة من حلب الشهباء بفنونها الرائعة وآدابها الباقية. ثالثًا: إن حفاوة معظم الدول العربية بعودة الكيان السورى إلى حيويته هى دليل واضح وشاهد أكيد على الروح العربية التى جعلت من سوريا دائمًا منبرًا للوحدة وحصنًا للقومية فى مختلف المراحل وعلى مر العصور. تحية لسوريا الشام ولشعبها الشقيق الذى نعتز به ونفاخر على الدوام.

اقرأ أيضا: عشر سنوات على بدء مشروع العاصمة الجديدة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً