الدين العام.. كيف ولماذا؟!
الدول كالأشخاص لها مصادر للدخل ومصروفات متنوعة يتوجب عليها سدادها باستمرار، فكما أن الأشخاص يلتزمون بسداد مصروفاتهم المختلفة من إيجارات وأقساط مدرسية ومصاريف يومية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، فكذلك الدول والحكومات عليها أن تقوم أيضا بسداد التزاماتها من أجور ومعاشات لموظفيها بالإضافة إلى كل ما تحتاجه مؤسسات تلك الدولة من مصاريف ومدفوعات لتأمين كل مستلزمات الشعوب والدول مثل الكهرباء والماء وتعبيد الطرق وغيرها الكثير، وكما أن للأشخاص مصادر مختلفة للدخل فكذلك للدولة مصادرها الخاصة والتي يأتي على رأسها إيرادات الضرائب والرسوم وكذلك مقبوضات الجمارك والخدمات العامة، وبنفس المنطق فإنه وكما يقوم الأفراد وببعض الأحيان بالاستدانة من الأصدقاء أو المؤسسات المالية لتأمين الأموال اللازمة للاستمرار بقضاء التزاماتهم، فكذلك الدول تقوم أيضا بالاستدانة من مصادرها الداخلية أو الخارجية لأهداف عديدة، وهنا يظهر السؤال المهم، فما هو الدين العام وما هي مصادره؟ ولماذا تقوم به الدول؟ ومتى يكون ضرورة إيجابية؟
أولا وقبل كل شيء فإن الدين العام أو ما يُسمى بالدين السيادي هو عبارة عن جميع الأموال التي تقترضها الحكومة والدول من الأفراد والمؤسسات أو أي جهة أخرى، وهو أيضا مجموع الديون المترتبة على الحكومات والتي قد تتخذ عدة أشكال مثل السندات المصدرة من الدول أو أذونات الخزانة أو حتى الاقتراض المباشر، وبالتالي فإنها وبشكل بسيط جميع الأموال والديون التي تقوم الدولة باقتراضها في فترة مُعينة وبأي شكل من الأشكال كوسيلة لتمويل نشاطاتها. هذا وغالبا ما تقوم الدول بالاقتراض عن طريق إصدار سندات حكومية يقوم المقرضون بشرائها بهدف الحصول على أرباح دورية حتى إعادة استرجاع قيمة سنداتهم والتي غالبا ما تكون مُصدرة لفترة محددة تُسمى بتاريخ الاستحقاق (شهور أو سنوات) وبالحديث أكثر عن عملية إصدار السندات فإنها إما تتم عن طريق طرح سندات محلية وهي غالبا ما تكون موجهة للمستثمرين المحليين، وفي هذه الحالة يُسمى الدين دينا حكوميا داخليا أو أنها تقوم بإصدار سندات موجهة للمستثمرين في الخارج وبمعظم الأحيان بعملة غير عملتها المحلية وفي هذه الحالة تُسمى دينا حكوميا خارجيا، أما مجموع الديون الحكومية الداخلية والخارجية فإنه يُطلق عليه الدين العام أو الدين السيادي وهو يُمثل جميع الالتزامات التي على الدول الوفاء بها لمقرضيها وبجميع العملات والأشكال.
اقرأ أيضا: غسل الأموال وسط الجائحة
وبالانتقال للحديث عن مدى جدوى هذه الديون فإنه من المهم أولا معرفة أنه من الخطأ الفادح في علم الاقتصاد أن يتم قياس هذه الديون بقيمتها النقدية بل من الضروري أن يتم قياسها عن طريق حساب نسبة الدين العام بالنسبة المئوية من حجم الناتج المحلي للدولة، فالدولة التي تقترض 100 مليار دولار مثلا بناتج محلي يقارب العشرين مليارا يختلف وضعها وتصنيف ديونها عن تلك التي تقترض نفس المبلغ ولكنها تمتلك ناتجا محليا يزيد عن الخمسين مليار مثلا، علما بأن الناتج المحلي هو باختصار القيمة السوقية لكل السلع النهائية والخدمات المعترف بها بشكل محلي والتي يتم إنتاجها في دولة ما خلال فترة زمنية محددة، فالناتج المحلي وبالرغم من اتّساع مفهومه العام إلا أنه مؤشر مهم للقدرة على السداد والاستمرار بتأمين النقد المطلوب للدول والحكومات.
أما أسباب الاقتراض فهي متنوعة ومن أهمها ما يلي: العجز في ميزان المدفوعات وحاجة الدولة لتأمين النقد للاستمرار بتأمين مستلزمات حاجاتها الحيوية، كذلك فإن الاقتراض بهدف الاستثمار من أجل التنمية واستغلال فرص مالية مُربِحة أيضا قد يكون هدفا مهما للدول المُقترضة وخاصة في ظل تدني أسعار الفائدة العالمية، كذلك فإن بعض السياسات النقدية والمالية التي تقوم بها الدول لمكافحة التضخم مثلا قد تستوجب سحب السيولة من الأسواق وهو ما قد يتم عن طريق طرح سندات داخلية تُساعد في إعادة تمركز النقد وسحبه من الأسواق المحلية، وغيرها الكثير من الأسباب.
وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن الدين العام للدول وبالرغم من ظاهره السلبي إلا أنه قد يكون إيجابيا بل حتى ضروري في بعض الأحيان وبالأخص للدول التي تتبع سياسات مالية ونقدية تحد من التضخم والغلاء، فالعبرة ليست في حجم الديون على الدول بل في القدرة على سدادها وتأثيرها على إيرادات الدولة نفسها وناتجها المحلي، أي أن كيفية استثمار الأموال المُقترضة والتي قد تصبح لاحقا مصدرا مهما للدخل هو فعلا أهم من حجم الدين نفسه، وهنا أستذكر حجم ديون الولايات المتحدة الأمريكية والتي فاقت الـ 20 تريليون دولار لتحتل بذلك المركز الأول من بين الدول المُقترِضة في العالم في العام 2020، وكذلك أتذكر مقولة الكاتب “جيمس فريك” حين قال “لا تقل لي ما هي أولوياتك، بل أرني أين أنفقت مالك وسأقول لك ما هي تلك الأولويات”.
