تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

‫ الإضرابات.. ثورة من نوع آخر

Ahmed Dfvvc5 دقائق قراءة0 مشاهدة

الإضرابات.. ثورة من نوع آخر

تعودنا في كثير من الدول والمناطق على ان نسمع بين الحين والآخر عن إضرابات يقوم بها مجموعة من العمّال والأشخاص احتجاجا على ظروف عمل معينة او حتى على قرارات وقوانين أو غيرها من الاسباب، ففي لبنان مثلا ومع تزايد حِدّة الأزمة الاقتصادية الأخيرة، شهدنا العديد من الحالات التي قام بها عاملون وموظفون في مِهن عديدة بإضرابات واغلاقات وتوقفات عن العمل ولعل أشهرها كان الإضرابات العديدة التي قام بها موظفو معظم البنوك اللبنانية مع تعرضهم لكثير من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وهو الامر الذي شكّل في كثير من الأوقات ورقة ضغط حقيقية على جهات عديدة، فألقى بظلاله على الاقتصاد والأشخاص على حد سواء، وكذلك فإن التاريخ يروي لنا قصة إضراب شهير حدث في ابريل من العام 1936 واستمر لمدة ستة اشهر لينتهي في أكتوبر من العام نفسه وهو ما عُرِف باسم ” اضراب فلسطين العام ” والذي قام به الشعب العربي الفلسطيني في ذلك الوقت احتجاجا على التصاعد الكبير في مستويات الهجرة اليهودية الى بلادِهم مقابل عدم وضع سلطات الانتداب القيود اللازمة على حركة الهجرة هذه وهو ما كان يؤدي تدريجياً إلى إحداث خلل في الوضع السكاني في البلاد، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هو الاضراب؟ وما هي أهم أنواعه؟ وما هو تأثيره على الاقتصاد؟ وما هي أشهر الإضرابات في العالم التي نجحت بتحقيق أهدافِها ولو بعد حين؟
أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة ان كلمة إضراب في اللغة تعني الإعراض عن الشيء بعد الإقبال عليه، وهو فِعل غالبا ما يكون الهدف منه التعبير عن موقف مُعين ولفت انتباه الرأي العام إلى أحداث او قوانين وتشريعات يعتبرها من يُشارك في الاضرابات مرفوضة أو غير عادلة.
وبالحديث عن الاضراب عن العمل مثلا فهو حدث يُمكِن تعريفه على أنه آلية يتّبعها العمال ضد مشغّليهم بسبب نزاع ما موجود بينهم في العمل، حيث يتم تعليق أو عرقلة سير العمل بشكل جماعي مُنظّم ومقصود خلال فترة الإضراب للتعبير عن رفض أمور مُعينة، فهو وبكل بساطة التوقف عن العمل بصورة جماعية مقصودة بهدف الضغط على رب العمل من قِبل الموظفين لتغيير ظروف مُعينة، فالإضراب كمفهوم ليس خلافا بل هو تعبير عن وجود خلاف بين العاملين وأرباب العمل، هذا ومع مرور الوقت وتطور الحياة الاجتماعية تطورت أيضا اشكال الاضرابات لتشمل وفي كثير من الأحوال التعبير عن موقف مُعين قد لا يكون له علاقة مِهنيّة بالعمل او القوانين الخاصة به بل قد يكون إضرابا لأسباب انسانية او اجتماعية يحاول عبره المجتمع التعبير عن رفضه لها، ولنا في اضرابات الامس خير مثال على ذلك حيث أعلنت العديد من المؤسسات والشركات وحتى الأشخاص حول العالم اضرابهم ليوم واحد تعبيرا لرفضهم لما يحدث في غزة ليسموا بذلك لوحة إنسانية راقِية للضغط باتجاه إيجاد حلول لهذه الحرب ولوقف المجازر التي تحدث هناك.
أما أهم أنواع الإضرابات فهي “الإضرابات العُمالية” التي يقوم بها العاملون بالشركات نفسها التي تتعرض لإيقاف العمل والامتناع عن الإنتاج، وكذلك هناك “الاضرابات التعاطفية ” التي يقوم بها مجموعة من الناس بعدم القيام بأعمالهم وذلك دعما لقضية أشخاص او شعوب يعملون او يقيمون في مكان اخر وذلك بهدف اظهار تعاطفهم ودعمهم لهذه الجهة المظلومة حتى وان كانوا لا ينتمون اليها، وهنا يجب ذكر تأثير الإضرابات التي غالبا ما تُشكِل عامل ضغط أساسيا على قطاعات الاعمال فهي تُوقف الانتاج او تخفضه على اقل تقدير وهو ما قد يُدخِل الاقتصادات في حالة من التراجع والانكماش خاصة إذا كانت هذه الإضرابات تتم لفترات طويلة وبصورة واسعة في دولة ما.
واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن الإضرابات وبالرغم من كونِها مطلبا انسانيا مهما في حالات الظلم الواضِح حيث تُساعد الشعوب في التعبير عن آرائها وافكارها وايصال صوتها بالدعم والمشاركة الى كل المظلومين في هذا العالم، الا انها يجب ان تتم بطريقة سِلمية لا تمس بأملاك واصول الدول ضمن قوانين وتشريعات كل دولة، وبالتالي فان تنظيم الإضرابات معرفة كيفية القيام بها تحت سقف القانون، وتوجيهها للجهات الصحيحة وتحديد وقتها بعِناية وبطريقة منطقية هو اهم ما يُمكِن التخطيط له لِكي يكون أي اضراب ناجحا وفعّالا، وهنا فإنني أستذكر قصة الاضرابات التي تمت خلال القرن التاسع عشر في الشمال الأمريكي وبالتحديد في مدينة شيكاغو وهي إحدى أهم المدن الصناعية في البلاد في ذلك الوقت، حيث كانت غالبية السكان فيها من عمال المصانع، وبسبب الظروف العماليّة الصعبة للغاية آنذاك عبر ساعات العمل الطويلة والأجور الزهيدة الناتجة عن طمع أصحاب رؤوس الأموال لزيادة أرباحهِم فقد ظهرت حركات عُماليّة مُعارِضة ومُتذمِّرة من تلك الأحوال الصعبة، حيث عُرفت اشهرها بـاسم “حركة الثماني ساعات” وهي التي أخذت اسمها من مطالبتها بتحديد عدد ساعات العمل بثماني ساعات يوميا فرفعت الشِعار الشهير “ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات نوم، ثماني ساعات فراغ للراحة والاستمتاع”، وفي الأول من أيار (مايو) من عام 1886 بلغ هذا الحِراك العُمّالي ذروته عبر تنظيم إضراب عام تمكّن من شلّ الحركة الاقتصادية في المدينة حيث شارك فيه حوالي سبعمائة ألف عامل، وبالرغم من رفض أصحاب العمل ومُعارضتِهم لهذه الفكرة وبرغم القتل والظلم الذي وقع على المشاركين في ذلك الاضراب، وبرغم مرور وقت طويل دون تحقيقه الأهداف، الا انه وفي النهاية تم إقرار هذه القوانين العادلة ولو بعد حين، بل حتى انه في عام 1958 اعتمد الرئيس الأمريكي “أيزنهاور” يوم الأول من أيار (مايو) من كلّ عام يوم إجازة رسمية اعترافا بأهمية إضرابات شيكاغو السابقة، ومنذ ذلك الحين حظي هذا اليوم باعتراف عالمي وتحوّل إلى مناسبة سنوية يُطلق عليها اسم “عيد العُمال”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *