تعبر الزيارة الثالثة لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير إلى الرياض في أقل من خمسة أشهر عن آفاق تحول إستراتيجي عميق في بنية الأمن الإقليمي.
في وقت تتصاعد فيه التهديدات على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وتترنح المظلة الأمنية الأمريكية بين الالتزام والتقلب، تعيد السعودية رسم خريطتها الأمنية من خلال تحالفات جديدة، وقدرات ردع مركبة، ورؤية إستراتيجية تتجاوز الثنائية التقليدية.
لا يمكن فهم التقارب السعودي-الباكستاني بمعزل عن التحولات المتسارعة في المنطقة، مثل تصاعد المواجهة الإيرانية-الأمريكية والهجوم الحوثي المتكرر على السفن السعودية في البحر الأحمر منذ 20 يوليو/تموز الماضي، واعتداء المليشيات العراقية على منشآت النفط السعودية الذي قوبل برد سعودي قوي، كلها عوامل دفعت الرياض إلى التسريع بتفعيل اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك مع إسلام آباد التي وقعت في سبتمبر/أيلول 2025.
في هذا السياق، لم تعد السعودية تملك رفاهية الاعتماد الحصري على الضمانات الأمريكية. واشنطن خاضت حربا مباشرة مع إيران، ثم أعلنت في يوليو/تموز “انتهاء” مذكرة التفاهم مع طهران التي ساهمت باكستان وقطر في صياغتها. وهو ما أظهر أن القرارات الأمريكية لا تصنع دائما بما يخدم أمن واستقرار الخليج مباشرة. هنا تبرز الحاجة إلى طبقة أمنية إضافية لا تنافس واشنطن، بل تكملها، ولا تغضب طهران بشكل مباشر بل توازنها.
الزيارة الثالثة لشهباز شريف إلى الرياض ليست مجرد بروتوكول دبلوماسي ثنائي، بل هي إشارة إلى أن الرياض تعيد بناء معادلة أمنها القومي من الأساس، وأن إسلام آباد وجدت في هذه اللحظة التاريخية فرصة نادرة لتحويل قوتها العسكرية إلى نفوذ دبلوماسي واقتصادي حقيقي في المنطقة الأغنى بالنفط في العالم
باكستان.. الشريك الذي يملأ الفراغ
تقدم باكستان ما تحتاجه الرياض بالضبط: قوة نووية معلنة، جيشا مجربا ميدانيا (الصدام مع الهند في 2025 أثبت كفاءته القتالية)، وموقعا جغرافيا يربط جنوب آسيا بوسطها وبالخليج. والأهم من ذلك أن إسلام آباد ليست طرفا في مثلث إيران-إسرائيل-الولايات المتحدة، ما يجعلها وسيطا مقبولا تقريبا من الجميع، وشريكا أمنيا لا يحسب على محور بعينه.
لكن البعد النووي يبقى العنصر الأكثر حساسية. وزير الدفاع الباكستاني نفسه لم ينفِ إمكانية توظيف القدرات النووية ضمن إطار اتفاقية الدفاع المشترك، ونص الاتفاقية أشار إلى استخدام كل القدرات. وهذه رسالة بحد ذاتها، موجهة إلى طهران وتل أبيب وواشنطن معا: السعودية لم تعد بلا خيارات ردع إستراتيجي إذا ساءت الأمور أكثر. لا أحد يتوقع استخداما فعليا لهذا الخيار، لكن مجرد وجوده على الطاولة هو “احتياط إستراتيجي سعودي” يغير حسابات الجميع.
البحر الأحمر وباب المندب.. الجبهة التي لم تغلق
تهديدات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد نظرية. الحوثيون أعلنوا في يوليو/تموز فرض “حصار بحري” على السعودية، ودرسوا فرض رسوم على السفن التجارية المبحرة عبر جنوب البحر الأحمر، وهم يستهدفون حلفاء الرياض في اليمن من حين لآخر.
كما أن إيران طلبت من حلفائها الحوثيين الاستعداد لتعطيل مرور ناقلات النفط عبر البحر الأحمر إذا استهدفت الولايات المتحدة منشآت الطاقة الإيرانية.
والاتحاد الأوروبي حدث مستوى التهديد في باب المندب إلى “مرتفع” بعد هجوم حوثي على ناقلة سعودية. التحذيرات الأوروبية أكدت أن الحوثيين “لا يزالون يشكلون تهديدا للملاحة التجارية”، وأوصت السفن بتجنب المياه الإقليمية اليمنية تماما. في هذا السياق، لم يعد تأمين باب المندب خيارا ثانويا، بل أصبح جزءا من معادلة الأمن القومي السعودي.
باكستان لم تعد شريكا أمنيا هامشيا للخليج، بل تتحول إلى عمود فقري في بنية أمنية إقليمية جديدة، متعددة الأطراف، تستجيب لتحديات لا يمكن لإطار ثنائي أو أحادي القطب معالجتها بمفرده
من ثنائية إلى بنية إقليمية متعددة الأطراف
ما يجعل هذه اللحظة مختلفة عن كل التاريخ الطويل للعلاقات السعودية-الباكستانية أن الأمر لم يعد ثنائيا بحتا. الكويت صادقت رسميا على اتفاقية دفاعية مماثلة مع باكستان في يوليو/تموز. والرياض أعلنت عن تحالف بحري من 14 دولة بقيادة سعودية لتأمين البحر الأحمر وباب المندب يضم باكستان وتركيا ومصر كأعضاء مؤسسين، ودولا إسلامية وأربع دول خليجية.
وأعلن قائد التحالف اللواء ركن بحري عبدالله الشهري المعين للتو (الخميس 6 أغسطس/آب 2026) عن توسع التحالف بانضمام دول جديدة. وقد يتبلور إطار أمني ثلاثي سعودي-باكستاني-تركي قد تنضم له مصر لاحقا عندما يتطور لهيكل أمني.
وستعقد في جدة (الجمعة 7 أغسطس/آب) قمة سعودية-باكستانية-تركية بحضور ولي العهد السعودي والرئيس التركي ورئيس الوزراء الباكستاني. ويتوقع المراقبون أن تبلور القمة ملامح قوة ثلاثية يكون لها دور في تماسك المنطقة بمواجهة الهزات الأخيرة.
هذه البنية متعددة الأطراف لا تحل محل الإطار الأمريكي، لكنها تسد فجواته. باكستان لم تعد شريكا أمنيا هامشيا للخليج، بل تتحول إلى عمود فقري في بنية أمنية إقليمية جديدة، متعددة الأطراف، تستجيب لتحديات لا يمكن لإطار ثنائي أو أحادي القطب معالجتها بمفرده.
المحددات السعودية.. بين رؤية 2030 والأمن القومي
لا يمكن فصل هذا التحول عن الرؤية السعودية الأوسع. الرياض تسعى إلى بناء قدرات ردع متطورة، تشمل الدفاعات الجوية والسيبرانية، ولكن في إطار تعاون خليجي موحد، لا سباق تسلح منفرد. التحول إلى “الاقتصاد الأمني الذكي” يربط الأمن بالاستثمار، ويجعل من مشاريع الربط الكهربائي، وخطوط السكك الحديدية والنقل، ومبادرات الهيدروجين الأخضر، أدوات لتعزيز الاستقرار الإقليمي.
في هذا الإطار، يصبح تأمين طرق التجارة وإمدادات الطاقة ليس مجرد مسألة عسكرية، بل هو شرط أساسي لتحقيق أهداف رؤية 2030. أي تعطيل للملاحة في باب المندب أو البحر الأحمر لا يهدد فقط تدفق النفط، بل يهدد أيضا مشاريع الربط الإقليمي والاستثمارات الأجنبية والتحول الاقتصادي الذي تقوده الرياض.
تهديدات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد نظرية. الحوثيون أعلنوا في يوليو/تموز فرض “حصار بحري” على السعودية، ودرسوا فرض رسوم على السفن التجارية المبحرة عبر جنوب البحر الأحمر، وهم يستهدفون حلفاء الرياض في اليمن من حين لآخر
اختبار حقيقي لم يخض بعد
زيارة القيادة الباكستانية برأسيها المدني والعسكري للسعودية تأتي في خضم هذه البيئة المضطربة والمتحولة بنيويا، وتعكس حرصا باكستانيا على تحويل معاهدة الدفاع الإستراتيجية مع الرياض إلى واقع على الأرض، حيث بدأت في المرحلة الأولى بنشر قواتها في المنطقة الشرقية، ومع ارتفاع درجات الأخطار في غرب المملكة وجنوبها فقد تدعو الحاجة لاستكمال الانتشار.
وترى مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية أن الحرب الإيرانية وانعكاساتها منحت باكستان فرصة تاريخية للانتقال إلى مصاف القوى المؤثرة عالميا. لذا فهي الرابح الأكبر في المدى القريب: اقتصاد منهك ومتطلب يحتاج كل دولار استثماري خليجي، وجيش يبحث عن دور إقليمي يتجاوز مواجهته التقليدية مع الهند.
أما الرياض، فهي تستعيد تأمينا إستراتيجيا إضافيا كان موجودا على أراضيها في السبعينيات، ويمكنه أن يكون رصيدا مفيدا للمملكة في وقت لم يعد فيه الاعتماد على طرف واحد للأمن خيارا حكيما.
في النهاية، الزيارة الثالثة لشهباز شريف إلى الرياض ليست مجرد بروتوكول دبلوماسي ثنائي، بل هي إشارة إلى أن الرياض تعيد بناء معادلة أمنها القومي من الأساس، وأن إسلام آباد وجدت في هذه اللحظة التاريخية فرصة نادرة لتحويل قوتها العسكرية إلى نفوذ دبلوماسي واقتصادي حقيقي في المنطقة الأغنى بالنفط في العالم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

