اقتصاديات الرسوم الجمركية: تحولات الاستيراد وحظوظ التقاضي التجاري في واشنطن

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تكد جدران التعريفات الجمركية تنهار قضائيًّا في الولايات المتحدة حتى استعادت بناء نفسها تحت مسميات تشريعية جديدة. ففي تمام الساعة 12:01 صباحًا بتوقيت الشرق الأميركي من يوم 24 يوليو، ومع انقضاء الرسوم الإضافية المؤقتة المفروضة بموجب “البند 122”، دخلت حيز التنفيذ رسوم جمركية جديدة بنسب تتراوح بين 10 % و12.5 % على السلع الواردة من نحو 60 إلى 80 اقتصادًا حول العالم استناداً إلى “البند 301” من قانون التجارة لعام 1974، وهي اقتصادات تمثل عملياً ما نسبته 99.4 % من إجمالي قيمة الواردات الأميركية. وفي اليوم نفسه، قادت شركات ومستوردون أميركيون دعويين قضائيتين أمام محكمة التجارة الدولية الأميركية للطعن في الرسوم الجديدة الخاصة بمكافحة “العمل القسري”، معتبرين إياها النسخة غير القانونية الثالثة للنظام الجمركي العالمي الشامل ذاته، وذلك بعد أن كانت المحكمة العليا قد ألغت رسوم “قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية” (IEEPA) في فبراير، تلاها إبطال رسوم “البند 122” الإضافية في مايو.
المستوردون المقيمون للدعاوى القضائية ليسوا ممن يبررون عمالة السخرة أو يتساهلون معها؛ فشركة (Burlap & Barrel) لبيع التوابل ومقرها نيويورك، والتي تقود دعوى جماعية مقترحة، تشتري سلعها حصرياً من موردين يلتزمون بأعلى معايير العمل وتدفع للمزارعين الصغار أضعاف ما يتقاضونه في المعتاد. كما أن شركة (Learning Resources) العائلية لصناعة الألعاب، والتي سبق أن كسبت قضيتها ضد رسوم (IEEPA) أمام المحكمة العليا، أكدت في لوائح دعواها أنها لا تقر بجميع الأشكال الاعتماد على عمالة السخرة أو وارداتها، مشددة على أن القضية الحقيقية تكمن في شرعية الإجراءات الحكومية.
وفي مفارقة ساخرة، يبدو أن الإجراء الذي تم الترويج له كمحاربة للاستغلال في سلاسل الإمداد العالمية قد أضر أولاً وبشكل مباشر بالمستوردين الذين بنوا نماذج أعمالهم بالأساس على تجنب مثل هذه الممارسات.
خضعت 17 دولة لنسبة رسوم بلغت 10 %، من بينها كندا والمكسيك والهند وإندونيسيا وبنغلاديش والمملكة المتحدة، وذلك لكونها تطبق حظرًا على واردات العمل القسري أو التزمت بذلك عبر “اتفاقية التجارة المتبادلة” أو تمتلك نظامًا جزئياً لمكافحته، في حين خضعت بقية الدول لنسبة 12.5 %. وعلى الجانب الآخر، حظيت خمسة اقتصادات بحسابات مختلفة؛ إذ طُبقت على الاتحاد الأوروبي وتايوان النسبة الأعلى بين 10 % أو معدل “الدولة الأكثر رعاية”، وبالتالي فإن البضائع المفروض عليها سابقًا 10 % أو أكثر لم تشهد زيادة جديدة. كما حظيت اليابان وكوريا الجنوبية وسويسرا بالمعاملة ذاتها ولكن عند سقف 12.5 %. وتعتمد هذه التعريفات على آلية التراكم لا الاستبدال؛ فالسلع المشمولة تظل خاضعة للرسوم الجمركية العادية، ورسوم الإغراق، والرسوم التعويضية، إلى جانب رسوم “البند 301” القائمة أساسًا، مما يعني أن السلع الصينية والبرازيلية باتت تحمل عبئين جمركيين معًا. وفي المقابل، تم استثناء السلع الخاضعة لـ “البند 232” كالصلب والألمنيوم والنحاس والسيارات وقطع غيارها والأخشاب، بالإضافة إلى السلع الكندية والمكسيكية المعفاة بموجب اتفاقية (USMCA) ومنسوجات اتفاقية (CAFTA-DR).
هذا الوضع جعل التصنيف الجمركي للسلعة، وليس بلد المنشأ وحده، هو المتغير المحرك لمكامن الخطر الجمركي، في إشعار رسمي امتد على 431 صفحة، استُعرضت في معظمه قوائم الاستثناءات التفصيلية. أما متعاملو “مناطق التجارة الخارجية” فقد فقدوا أداة تحين الفرص؛ إذ أصبحت السلع المشمولة تُدخل فقط تحت بند “الوضع الأجنبي الممتاز”، مما يثبت نسبة الرسم عند وقت الدخول لا وقت الاستهلاك، ولن تتفادى البضائع المخزنة هناك الرسوم حتى لو انخفضت النسب لاحقًا. كما أتيحت مهلة سماح مدتها أربعة أيام للسلع التي كانت قيد الشحن الفعلي قبل 24 يوليو بشرط تفريغها ودخولها قبل 28 يوليو، بينما يظل ملفان معلقين؛ حيث يرتقب أن يحدد ممثل التجارة الأميركي حصص المنسوجات لبنغلاديش وكمبوديا وإندونيسيا وماليزيا في إشعار منفصل.
ينص “البند 301 (b)” على أنه لا يحق لممثل التجارة الأميركي اتخاذ أي إجراء إلا بعد التوصل إلى أن ممارسة محددة لدولة بعينها تُعد غير معقولة أو تمييزية وتضر بالتجارة الأميركية، على أن يستهدف أي إجراء علاج تلك الممارسة بالتحديد. وتستند الدعويان القضائيتان إلى أن مكتب ممثل التجارة تجاوز العمل التقييمي لكل دولة على حدة وهو ما يشترطه القانون. وتشكل الخارطة الزمنية الدليل الأبرز لصالح المستوردين؛ إذ فتح مكتب ممثل التجارة 60 تحقيقًا في 12 مارس، واقترح الإجراءات في 5 يونيو، واعتمد القرارات النهائية بعد 133 يومًا فقط من بدء التحقيق، مقارنة بأكثر من سبعة أشهر قضاها في تحقيق واحد يخص الصين عامي 2017 و2018. بل إن فترة تلقي الآراء وجلسة استماع واحدة استغرقت ثلاثة أيام فقط غطت الاقتصادات الـ 60 دفعة واحدة.
وجاء في المقطع الافتتاحي لدعوى “ليرنينغ ريسورسز”: المرة الثالثة ليست هي الناجحة بالتأكيد. فيما تؤكد دعوى “بيرلاب أند باريل” أن الترتيب الزمني جاء معكوساً، حيث حدد ممثل التجارة نسب الرسوم أولاً لتماثل نسب (IEEPA) المتبطلة، ثم صاغ النتائج الخاصة بكل اقتصاد لاحقاً. واستشهدت الدعويان بتأكيدات وزير الخزانة سكوت بيسينت بأن إيرادات الرسوم ستظل ثابتة عملياً حتى بعد قرار المحكمة العليا. وفي طعن احتياطي، أشارت الدعاوى إلى أنه إذا كان “البند 301” يتسع لكل هذا السعة، فإنه يشكل تفويضاً غير دستوري لصلاحيات الكونغرس في فرض الضرائب. من جانبه، أوضح إد غريسر، نائب رئيس معهد السياسات التقدمية والمساعد السابق لممثل التجارة، أمام لجنة البند 301 أن السجل الإداري لا يحمل أدلة كافية، مقدراً أن هذه الرسوم ستكلف المشترين الأميركيين نحو 100 مليار دولار سنويًّا. يأتي هذا في وقت حظرت فيه هيئة الجمارك وحماية الحدود ما متوسطه 800 مليون دولار سنوياً فقط خلال السنوات المالية الثلاث الماضية لشبهات تتعلق بالعمل القسري. وقال غريسر في شهادته: في الواقع، لا نرى في التقرير أي أمثلة لشحنات شحنت بالفعل وثبت استخدام عمالة السخرة فيها مرت عبر الجمارك إلى الأسواق الاستهلاكية أو سلاسل الإنتاج.
يمتلك مكتب ممثل التجارة سجلاً يُعتد به قانونياً: جلستان من جلسات الاستماع، وأكثر من 2,100 تعليق رسمي، ومشاركات مع أكثر من 45 حكومة خضعت للتحقيق. كما يمتلك أدلة على أن التهديد حقق نتائج؛ فبين مقترح يونيو والإجراء النهائي، اعتمدت 4 اقتصادات حظرًا على واردات عمالة السخرة ووقعت دولة خامسة اتفاقية تجارية، لينخفض المنسوب المطبق على هذه الدول الخمس من 12.5 % إلى 10 %. بالإضافة إلى ذلك، صيغ الإشعار القانوني بطريقة تضمن تفككه دون انهيار النظام كاملاً؛ إذ تنص الصفحتان 71 و72 على أن كل إجراء من الإجراءات الـ 60 يظل مستقلاً عن الآخر، وأنه في حال إلغاء أي استثناء فإن الرسوم تظل سارية على بقية السلع. وبالتالي، فإن صدور حكم لصالح اقتصاد واحد لن يترتب عليه تلقائياً إلغاء التعريفات عن البقية. ويتوقع الخبراء استمرار التحصيل الجمركي في هذه الأثناء بناءً على التجربة القريبة؛ فعندما ألغت محكمة التجارة الدولية رسم البند 122 في 7 مايو، أوقفت محكمة الاستئناف الفيدرالية التنفيذ في 11 يونيو، واستمرت الرسوم في التدفق طوال فترة الاستئناف.
تنتظر شركة “بيرلاب أند باريل” وصول خمس شحنات إلى موانئ نيويورك ونيوجيرسي وبالتيمور بقيمة 124,407 دولارات، وتواجه رسوماً متوقعة تقارب 13,888 دولارات. وتؤكد الشركة أنها امتصت تكاليف الرسوم السابقة، لكن هذه التعريفات الجديدة تقضي على هامش قدرتها على الاستمرار. وتشمل الدعوى الجماعية المقترحة كافة المستوردين المسجلين الذين دفعوا أو سيدفعون رسوماً على البضائع الداخلة منذ 24 يوليو، وهي فئة تقدر بالآلاف على مستوى البلاد. وتطالب الدعوى باسترداد الأموال مع الفوائد وإصدار أمر قضائي بمنع الجباية، علمًا أنه لم يتم اعتماد صفة الدعوى الجماعية بعد ولم تصدر المحكمة حكمها. ويرى باري أبلتون، محامي التجارة الدولية الخبير، أن قانون التجارة أشار إلى مسار لم يسبق استخدامه: وهو آليات تسوية النزاعات المدرجة داخل الاتفاقيات الموقعة بالفعل مع الشركاء التجاريين، مؤكدًا أن النزاع الذي يحل عبر تلك الأطر ينتج عنه قرار ملزم وسجل امتثال، بينما النزاع الذي يدار عبر الرسوم لا ينتج عنه سوى تعميق التعريفات الجمركية. وتكمن أهمية هذه المواجهة في أن رسوم البند 301 الجديدة تثبت نسب 10 % إلى 12.5 % على كافة الواردات الأميركية تقريباً في الوقت الذي كانت فيه الأنظمة الجمركية السابقة تسقط قضائياً، مما يجبر المستوردين على الدفع الفوري أثناء انتظار كلمة القضاء. وتختبر هذه القضية الحدود التي يمكن للحكومة الاتحادية التمدد فيها باستخدام قوانين التجارة للحفاظ على الإيرادات والنفوذ الاقتصادي.
عادت الرسوم الجمركية لإدارة الرئيس ترامب لتتصدر العناوين الرئيسية مجدداً بعد بضعة أشهر من الاستقرار الموقت؛ حيث أعطى البيت الأبيض الضوء الأخضر لفرض حزمة رسوم جديدة. وتراوحت الرسوم الجمركية على الواردات بين 10 % و12.5 %، مستهدفة 80 شريكاً تجارياً للولايات المتحدة ومغطية 94 % من مجمل الواردات الأميركية. وأمام هذا الواقع، يبدو أن عدداً من الشركات الأميركية قد ضاقت ذرعاً بهذه السياسات؛ حيث رفع (Liberty Justice Center) في نيويورك دعوى قضائية أمام محكمة التجارة الدولية ضد الرسوم البديلة التي فرضتها إدارة ترامب بموجب “البند 301” من قانون التجارة لعام 1974. ورُفعت الدعوى نيابة عن شركتين أميركيتين صغيرتين: الأولى “بيرلاب أند باريل” لبيع التوابل، والثانية “كوليكتيف هورولوجي” ومقرها كاليفورنيا والمتخصصة في صناعة وتوزيع الساعات. وتتلخص حجة الشاكيين في أن الحكومة الفيدرالية لا تملك حق الإبقاء على سياسة جمركية عالمية محددة مسبقاً عبر الانتقال الصوري من نص قانوني إلى آخر. وتوضح الدعوى أن البند 301 يسمح باتخاذ إجراءات ضد أفعال أو سياسات أجنبية محددة فقط بعد أن يجري ممثل التجارة الأميركي التحقيقات التي اشترطها الكونغرس، ويختار الإجراء المصمم خصيصاً لإلغاء الممارسة المحددة.
وقد أثار هذا التنقل المستمر بين القوانين الفيدرالية سخط المستوردين وداعميهم؛ إذ صرحت سارة ألبرشت، رئيسة مجلس إدارة مركز ليبرتي جودستيس: إن عمالة السخرة أمر لا يمكن الدفاع عنه أخلاقياً، ولكن الهدف النبيل لا يمنح الحكومة الإذن بتجاهل القانون. لقد سمحت الإدارة لرسوم عالمية بأن تنتهي لتستبدلها فوراً بأخرى تحت مظلة قانونية مختلفة. إن تغيير البند القانوني لا يغير جوهر القانون، ولكل سلطة جمركية حدود لا تملك تجاوزها.
وربما يكمن الدليل الأقوى لصالح حجة الشكوى في الجدول الزمني لتطبيق الرسوم. وقال كايل بيكوك، رئيس شركة “بيكوك للاستشارات الجمركية” في تورونتو: فتح مكتب ممثل التجارة 60 تحقيقاً بشأن عمالة السخرة بعد ثلاثة أسابيع فقط من خسارته قضية قانون (IEEPA)، وأغلق التحقيقات الـ 60 في اليوم نفسه، ليرسي هيكلاً موحداً تقريباً بنسبة 10 % و12.5 % يغطي 80 دولة و99.4 % من الواردات. بل إن الإشعار ذكر صراحة أن النسب وُضعت بناءً على توجيهات مباشرة من الرئيس، وهذا دليل حقيقي على صورية الإجراءات. لكن الإشكالية القانونية المعقدة تكمن في أن البند 301 ينص صراحة على كلمة رسوم (Duties)، مما يعني أن الحكومة لا تحارب هذه المرة على الأرضية ذاتها التي خسرتها في فبراير الماضي أمام المحكمة العليا. وأضاف بيكوك: لقد بنى ممثل التجارة سجلاً يضم 1600 تعليق وجلسة استماع لثلاثة أيام، وفي قضية (HMTX) القبلية، أيدت محكمة الاستئناف الفيدرالية الرسوم الصينية ضد حجج مماثلة تماماً. وبالتالي فإن الادعاء القابل للربح يكمن في غياب التقييمات الفردية الخاصة بكل دولة على حدة، وليس في نفي الصلاحية مطلقاً.
من جهتها، تؤكد ناتالي زينك، محامية التجارة الدولية في شركة (Lighthill PC) والمحامية السابقة بوزارة التجارة الأميركية، أن التقاضي في البند 301 لا يشكل مجرد تكرار لقضايا (IEEPA)؛ إذ بخلاف الأخير، يمنح البند 301 الرئيس صلاحية صريحة لفرض الرسوم في ظروف محددة. وتضيف زينك: السؤال المطروح بالتالي ليس ما إذا كان الرئيس يمتلك سلطة فرض الرسوم أم لا، بل ما إذا كانت هذه السلطة قد مٌورست ضمن الحدود التي وضعها الكونغرس ويسمح بها الدستور. وتطلب الدعوى من المحكمة تحديد ما إذا كانت الإدارة قد فسرت البند 301 بشكل أكثر اتساعاً مما أراده الكونغرس، وهو ما يثير مخاوف بشأن عدم التفويض الدستوري؛ لأن التفسير الموسع يمنح الرئيس عملياً سلطة جمركية بلا حدود.
على المدى القريب، ستستمر إدارة ترامب في تطبيق الرسوم كالمعتاد، وحتى لو كسب الشاكين القضية، فلا ينبغي لأحد انتظار إعفاءات سريعة. يوضح بيكوك ذلك بقوله: بالنظر إلى البند 122؛ أبطلته محكمة التجارة في 7 مايو، فاستأنفت الحكومة في 8 مايو، وأوقفت محكمة الاستئناف الحكم في غضون أيام، ليستمر المستوردون في دفع رسم أعلنت المحكمة أنه غير قانوني. ويتوقع الجميع النتيجة ذاتها هنا، مع رحلة ثانية محتملة نحو المحكمة العليا.

-المصدر: moneywise

اقرأ أيضا: “البلاد” مصدر موثوق للمعلومة وتعبر عن نبض المجتمع

‫0 تعليق

اترك تعليقاً