
يُجمِع قادة إيران على هدف واحد هو أن يثبتوا للولايات المتحدة أن بلادهم قادرة على الصمود في الحرب أكثر منها، لكنهم يختلفون بشأن الشكل الذي ينبغي أن تنتهي به هذه الحرب.
فمن جهة، يضغط المتشددون الذين يعارضون أي مفاوضات مع الولايات المتحدة من أجل تحقيق نصر عسكري كامل.
ومن جهة أخرى، يرى أنصار الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان النافذ محمد باقر قاليباف الذي يشغل أيضا منصب كبير المفاوضين الإيرانيين، أن الضغوط العسكرية يمكن أن تكون وسيلة للتوصل إلى اتفاق تفاوضي مع الولايات المتحدة.
ويستمد هذا التيار دعما إضافيا من المخاوف بشأن التداعيات الاقتصادية التي تعاني منها إيران جراء الحرب، وكذلك الحاجة إلى التكيف مع التغيرات الاجتماعية داخل البلاد.
وما يعزز الانقسام، هو غياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي عن المشهد، فرغم الإعلان رسميا عن خلافته لأبيه، إلا أن سيطرته على مفاصل السلطة في البلاد لا تزال محل شكوك.
ولم يظهر مجتبى منذ مقتل والده علي خامنئي في 28 فبراير، وواصل غيابه حتى خلال تشييع أبيه. وتراوحت تفسيرات غيابه بين أسباب أمنية وبين روايات تشير إلى تعرضه لإصابات بالغة.
ومع غياب الشخصية التي كانت تمثل المرجعية الأولى والأخيرة في البلاد، بدأت مراكز القوة في إيران تتحرك وفق حساباتها الخاصة.
وحسب مصدر من داخل إيران تحدث لـ “الحرة”، فإن الحرس الثوري يسعى إلى تكريس دوره باعتباره القوة الأكثر تأثيرا في الملفات الأمنية والعسكرية، بينما يحاول البرلمان الحفاظ على موقعه في معادلة الشرعية، في حين ترى الحكومة أن التفاوض مع الغرب يمكن أن يكون وسيلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية.
أما المؤسسة القضائية والأجهزة الأمنية فتعتمد سياسة أكثر تشددا عبر الاعتقالات والإعدامات لإظهار دورها في حماية النظام.
ويقول باحثون في الشأن الإيراني إن نفوذ مجتبى، أصبح موزعا بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي والحرس الثوري والرئاسة والبرلمان.
ويدور الخلاف بين كل هذه الأجنحة في إيران حول كيفية إدارة المرحلة الحالية، وحدود التنازلات الممكنة في التفاوض، وطريقة التعامل مع الضغوط الخارجية.
ويقول الباحث في الشأن الإيراني نزار جاف في مقابلة مع “الحرة” إن الخلاف الحالي يعكس التباين بين المؤسسات حول الطريقة الأنسب لحماية النظام في مرحلة استثنائية.
فالحكومة وبعض أعضاء البرلمان يرون أن التفاوض يمكن أن يكون أداة لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية، بينما يخشى الحرس الثوري أن يتحول أي تنازل إلى بداية سلسلة مطالب أميركية تمس ركائز النظام، خصوصا البرنامج النووي والقدرات الصاروخية.
ويظهر هذا التباين بوضوح في الجدل حول شعار “الانتقام” بعد مقتل خامنئي. وقد تساءلت صحيفة “هم ميهن” عن معنى هذا الشعار، وإذا ما كان يعني وقف المفاوضات؟ أم استهداف شخصيات أميركية وإسرائيلية؟ أم الانسحاب من التفاهمات السابقة؟ أم الذهاب إلى مواجهة عسكرية مباشرة؟
ويمثل قاليباف حالة خاصة في مشهد الانقسام، فهو أحد أبرز المسؤولين الذين خرجوا من صفوف الحرس الثوري، ليدرك أن استمرار المواجهة المفتوحة قد يؤدي إلى أزمة يصعب على مؤسسات النظام احتواؤها، لذلك يصر على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة في محاولة لحماية الدولة من تداعيات صراع داخلي قد يهدد تماسكها.
ويؤكد الباحث الإيراني جاف لـ “الحرة” أن أبرز ملف داخلي في إيران اليوم هو التفاوض الذي لا يعارضه الحرس الثوري من حيث المبدأ، لكنه يرفض أن يؤدي إلى تنازلات استراتيجية تمس عناصر القوة التي يعتبرها ضمانة لبقاء النظام.
إلا أن هذا الموقف لا يحظى بإجماع داخل التيار المحافظ. فقد اتهم النائب كامران غضنفري الرئيس بزشكيان وقاليباف، وكل من يدعمون مسار التفاوض، بمحاولة تنفيذ “انقلاب” داخل النظام.
وهاجمت صحيفة “جوان” الإيرانية تصريحات النائب المتشدد غضنفري ووصفتها بأنها “غير منطقية”، معتبرة أن الاتهامات المتبادلة وصلت إلى مستوى غير مسبوق داخل بنية النظام.
كما وصل الجدل إلى الساحة الدبلوماسية، إذ أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن المفاوضات لم تكن قرارا فرديا، بل قرارا جماعيا اتخذته مؤسسات الدولة، مشددا على أن إنهاء الحرب أيضا لا يمكن أن يكون قرار شخص واحد.
وأثارت تصريحات عراقجي انتقادات من وسائل إعلام قريبة من التيار المتشدد، اتهمته بالإضرار بالوحدة الوطنية، بينما دافع وزير الخارجية عن استمرار التفاوض باعتباره أقل كلفة من الحرب.
ويستمر تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران بغرض الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب بشكل كامل، بعد مذكرة التفاهم التي وقعت في 18 يونيو الماضي وانهارت في بداية يوليو.
وفي مسعى باتجاه التوصل لاتفاق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم السبت تعليق هجوم كبير على إيران شريطة أن يتم التوصل سريعا إلى اتفاق لوقف طموحات طهران النووية وإعادة فتح مضيق هرمز.

