حطت طائرة تابعة لشركة ماهان الإيرانية في مطار صنعاء الخاضع لسيطرة جماعة الحوثي في الثالث من يوليو الجاري، في خطوة وصفها المجلس الرئاسي اليمني بانها تصعيد خطير وانتهاك صارخ لسيادة الجمهورية اليمنية. وعندما حاولت طائرة إيرانية ثانية تكرار الرحلة، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية استهداف مدرج المطار لمنعها من الهبوط، فتحولت وجهتها إلى مطار الحديدة.
ويرى محرر الشؤون اليمنية بالجزيرة أحمد الشلفي أن ما جرى يعكس استماتة قوية من الجانبين الإيراني والحوثي لإنجاح الرحلة، في مقابل تصميم حكومي مماثل على منعها.
ويأتي هذا التصعيد بعد نحو 4 سنوات من هدنة نسبية حافظت على وقف واسع لإطلاق النار في اليمن، دون أن تصل الأطراف إلى تسوية سياسية شاملة. ويجمع متابعون للملف اليمني على أن ما بعد الطائرة الإيرانية لن يكون كما كان قبلها، فيما تتفاوت قراءاتهم حول حدة المواجهة المقبلة ومداها الزمني والجغرافي.
روايتان متعارضتان لطبيعة الرحلة

قدم المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي يحيى سريع رواية مغايرة لتفسير الحكومة اليمنية، حيث وصف الطائرة الإيرانية بأنها كانت في مهمة إنسانية أقلّت أكثر من 200 فرد من العالقين والجرحى والمرضى، وعادت إلى طهران محمّلة بوفد حوثي للمشاركة في تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي.
وفي المقابل، حمّل رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي جماعة الحوثي المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد وعن جميع ما قد يترتب عليه من تداعيات تمس أمن اليمن واستقراره، ودعا إلى الانتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الردع.
وأعلن وزير الدفاع اليمني الفريق طاهر العقيلي أن صبر الحكومة نفد إزاء اختراق الطائرات الإيرانية الأجواء اليمنية، متعهدا بالتصدي لها بجميع الوسائل المتاحة. وحذر وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني من أن إصرار طهران على إنشاء ما وصفه بجسر جوي مباشر مع الحوثيين يمثل انتقالا إلى نمط أكثر خطورة يمنحها قدرة أعلى على الإمداد السريع والمنتظم.
من جهته، وصف نصر الدين عامر، نائب رئيس الهيئة الإعلامية لجماعة الحوثي، ما جرى بأنه عدوان سعودي أميركي أيضا، مستندا في تصريحات خاصة للجزيرة نت إلى أن بيان التحالف العربي الأخير يهاجم ويشنّع بإسناد اليمن لغزة ولمنع السفن الإسرائيلية، معتبرا الرد السعودي عقابا جماعيا للشعب اليمني على هذا الموقف. وأكد عامر أن الرحلة كانت مبادرة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية لنقل المرضى والعالقين والذين لا يستطيعون السفر بعد سنوات من الحصار، ونفى أن تكون عملية عسكرية كما تصورها الرواية الحكومية.
تحشيد ميداني موازٍ للتصعيد اللفظي
تزامن التصعيد الكلامي بين الأطراف مع خطوات ميدانية، حيث توعد يحيى سريع باستهداف مطارات ومصالح حيوية سعودية. وأعلنت جماعة الحوثي قبل أسابيع ما سمّته النفير العام تحت شعار إنهاء الحصار والسيطرة على كامل البلاد، وصاحب ذلك تحشيد مسلح في عدد من الجبهات، في مؤشر على استعداد لخيارات أبعد من الرد الرمزي على أي تصعيد جوي.
ويستبعد اللواء محمد عبد الواحد، الخبير في الشؤون السياسية والأمن البحري، سيناريو الانفجار الشامل في المدى القريب، لقناعته بأن الطرفين يدركان أنه لا مصلحة لأي منهما في حرب واسعة في هذا التوقيت. ويرى عبد الواحد، في تصريحاته للجزيرة نت، أن التصعيد الحالي امتداد لموجات سابقة يحاول من خلالها كل من إيران والحوثيين فرض أمر واقع جديد، أبرزه إعادة تشغيل خط طيران مباشر بين طهران وصنعاء ترفضه الرياض انسجاما مع الحظر الجوي المفروض على الجماعة، معتبرا أن الضربات السعودية جاءت استباقية لوأد هذا المسار قبل ترسخه.
ويضيف عبد الواحد أن الحوثيين يحققون مكاسب عبر تفاهمات غير معلنة تتصل برواتب الموظفين وفتح جزئي للموانئ ومحادثات مع سلطنة عمان، وهي مكاسب سيخسرونها في حال انزلقوا إلى مواجهة مباشرة مع الرياض. ويتقاطع هذا التقدير مع ما يذهب إليه الباحث في الشؤون العسكرية والإستراتيجية علي الذهب.
