تراجع معدل الفائدة بين البنوك السعودية “السايبور” لأجل ثلاثة أشهر بأعلى وتيرة بنحو شهرين في تعاملات الخميس، بعد قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تثبيت أسعار الفائدة، ليمحو معظم القفزة التي سبقت الاجتماع.
وفقا لوحدة التحليل المالي في “الاقتصادية” استند إلى بيانات “بلومبرغ”، انخفض المعدل 22 نقطة أساس إلى 4.87%، بعدما تجاوز في اليوم السابق مستوى 5% للمرة الأولى منذ أكثر من 4 أشهر. ويعزز هذا التراجع السريع فرضية أن جزءا كبيرا من الارتفاع كان علاوة تحوط دفعتها البنوك لتأمين التمويل قبل اتضاح قرار الفيدرالي، وليس نتيجة نقص مفاجئ أو مستمر في السيولة.
وكان “السايبور” قد صعد بنحو 27 نقطة أساس خلال يومين، من 4.82% في بداية الأسبوع إلى 5.09% قبيل القرار. لكن انخفاضه في اليوم التالي محا معظم تلك الزيادة، وأعاده قريبا من مستوياته السابقة.
وتوضح هذه الحركة أن البنوك كانت تستعد لاحتمال رفع الفائدة الأمريكية بربع نقطة مئوية، وما قد يعنيه ذلك من بداية مرحلة جديدة من التشديد النقدي. ومع تثبيت الفائدة، تراجعت الحاجة إلى الإبقاء على العلاوة المرتفعة نفسها في تسعير التمويل لأجل 3 أشهر.
أسهم البنوك تعكس اتجاهها
عكست أسهم البنوك تحركها السلبي في الجلسة السابقة، ليرتفع مؤشر القطاع بنحو 1.3% في منتصف تعاملات اليوم، مستفيدا من تراجع “السايبور” بعد قرار الفيدرالي تثبيت الفائدة. وقاد الارتداد سهم “الرياض” بارتفاع 2.85%، تلاه “الأهلي” و”الأول” بمكاسب تجاوزت 2%، فيما صعدت معظم الأسهم الأخرى بنسب متفاوتة، من بينها “البلاد” و”الجزيرة” و”الراجحي”.
وفي المقابل، خالف سهم “الاستثمار” الاتجاه بتراجع محدود. ويعكس التحول السريع في أداء القطاع انحسار جزء من المخاوف المرتبطة بارتفاع تكلفة التمويل، بعدما كانت البنوك قد تعرضت لضغوط في الجلسة السابقة مع صعود “السايبور” وتحوط السوق لاحتمال تشديد نقدي أمريكي.
التثبيت يزيل خطر الرفع الفوري
أبقى الفيدرالي نطاق الفائدة عند 3.5% إلى 3.75%، بقرار أيده 9 أعضاء مقابل اعتراض 3 فضلوا رفع الفائدة بواقع ربع نقطة مئوية.
ولم يحمل القرار تحولا نحو التيسير النقدي، إذ أكد بيان الفيدرالي أن التضخم لا يزال مرتفعا مقارنة بالمستهدف. لكنه أزال سيناريو رفع الفائدة خلال الاجتماع نفسه.
وقبل صدور القرار، ارتفعت تقديرات السوق لاحتمال الرفع إلى 36%. ورغم أن التثبيت ظل السيناريو الأرجح، فإن الاحتمال كان مرتفعا بما يكفي لدفع المؤسسات المالية إلى التحوط من مفاجأة نقدية.
وبالنسبة إلى البنوك السعودية، لا يعد قرار الفيدرالي شأنا خارجيا بعيدا. فالريال مرتبط بالدولار، ما يجعل حركة الفائدة الأمريكية إحدى العوامل في تحديد تكلفة الأموال المحلية واتجاه السياسة النقدية.
لذلك كان من المتوقع أن ترفع بعض البنوك أسعار التمويل قبل الاجتماع. فإذا قرر الفيدرالي زيادة الفائدة، كانت الأموال التي جرى تأمينها مسبقا ستوفر حماية جزئية من ارتفاع أكبر في التكلفة. أما مع التثبيت، فيمكن التخلي سريعا عن جزء من علاوة التحوط، وهو ما ظهر في قراءة “السايبور” التالية للقرار.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش خلال مؤتمر صحفي عقب تثبيت أسعار الفائدة، في قرار أعقبه تراجع “السايبور” بنحو 22 نقطة أساس مع انحسار رهانات التشديد الفوري. تصوير: إيفلين هوكستين.
رئيس الاحتياطي الفيدرالي خلال مؤتمر صحفي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الذي انتهى بتثبيت أسعار الفائدة في يوليو 2026.
__2026-07-30T050143Z_704067879_RC2RNMA9WS2W_RTRMADP_3_USA-FED-INVESTORS-1785387869
القلق ينتقل إلى الأشهر المقبلة
رغم الانخفاض الحاد في أجل الثلاثة أشهر، لم تتحرك جميع آجال “السايبور” في الاتجاه نفسه.
فقد سجل أجل الشهر انخفاضا محدودا، وتراجع أجل السنة قليلا، بينما ارتفع معدل 6 أشهر بنحو 7 نقاط أساس إلى 5.18%.
وتكشف هذه الحركة أن قرار الفيدرالي أزال علاوة مرتبطة بخطر الرفع الفوري، لكنه لم ينه المخاوف من احتمال التشديد النقدي في الاجتماعات المقبلة.
فانقسام لجنة السوق المفتوحة، وتصويت 3 أعضاء لمصلحة الرفع، واستمرار القلق من التضخم، كلها عوامل تبقي احتمال زيادة الفائدة قائما خلال الأشهر التالية.
لذلك تراجع السعر المرتبط بالفترة الأقرب عند أجل 3 أشهر، بينما احتفظ أجل 6 أشهر بعلاوة مرتفعة. وكأن السوق تقول إن مفاجأة الاجتماع الحالي لم تحدث، لكن خطر رفع الفائدة لاحقا لم يخرج من الحسابات.
التراجع ينفي فرضية شح السيولة
يدعم الارتداد السريع لـ”السايبور” الاستنتاج السابق بأن القفزة لم تكن نتيجة أزمة عامة في السيولة المصرفية.
فأسعار التمويل المضمون في سوق إعادة الشراء “الريبو” بقيت مستقرة نسبيا، بينما تشير محصلة عمليات الريبو والريبو العكسي لدى البنك المركزي السعودي “ساما” إلى استمرار وجود فائض سيولة على مستوى النظام المصرفي.
ولو كان ارتفاع “السايبور” ناتجا عن نقص حاد في الأموال، لما كان من المتوقع أن يتراجع بهذه السرعة بمجرد تثبيت الفيدرالي. كما كان الضغط سيظهر بصورة أوضح في التمويل القصير والمضمون، بدل تركزه في التمويل غير المضمون متوسط الأجل قبيل الاجتماع.
وتشير الصورة الأقرب إلى أن البنوك لم تكن تبحث عن السيولة بأي ثمن، بل كانت مستعدة لدفع تكلفة إضافية للحصول على قدر من الحماية من احتمال بدء دورة تشديد جديدة.
وبمجرد زوال خطر الزيادة الفورية، تراجعت هذه التكلفة، وعاد تسعير الثلاثة أشهر إلى مستوى قريب من بداية الأسبوع.

نمت محفظة قروض البنوك السعودية إلى نحو 3.26 تريليون ريال في الربع الثاني من 2026، بينما تباطأت وتيرة النمو السنوي إلى قرابة 7%، وهي الأدنى في خمسة أعوام على الأقل.
رسم بياني يوضح ارتفاع إجمالي قروض البنوك السعودية من نحو 2.5 تريليون ريال في مطلع 2024 إلى 3.26 تريليون ريال في الربع الثاني من 2026، بالتزامن مع تباطؤ النمو السنوي من نحو 17% إلى قرابة 7%.
محفظة قروض البنوك -02
أثر مباشر في المقترضين وربحية البنوك
يُستخدم “السايبور” مرجعًا لتسعير شريحة واسعة من القروض ذات الفائدة المتغيرة، خصوصًا تمويلات الشركات. كما يدخل في تسعير بعض التمويلات العقارية وتمويلات الأفراد.
وعادة ما يدفع العميل سعر “السايبور” مضافًا إليه هامش ثابت يحصل عليه البنك. لذلك يؤدي ارتفاع المؤشر، عند حلول موعد إعادة التسعير، إلى زيادة الأقساط أو المصروفات التمويلية.
ولا يظهر الأثر في جميع المقترضين في الوقت نفسه. فهو يعتمد على شروط العقد وموعد مراجعة الفائدة. لكن بقاء “السايبور” قريبًا من 5% يعني استمرار تكلفة الاقتراض عند مستويات مرتفعة نسبيًا.
أما بالنسبة إلى البنوك، فالأثر ليس موحدًا. فقد ترتفع عوائد القروض المرتبطة بالمؤشر، لكن في المقابل قد تزيد تكلفة جذب الودائع والحصول على التمويل من السوق.
وقد يستفيد البنك الذي يعيد تسعير قروضه بسرعة، ويحتفظ بقاعدة واسعة من الودائع منخفضة التكلفة. أما البنك الأكثر اعتمادًا على الودائع لأجل أو التمويل مرتفع التكلفة، فقد يواجه ضغطًا على هامش الربحية.
وفي المحصلة، يكشف ارتفاع “السايبور” قبل اجتماع الفيدرالي ثم تراجعه مباشرة بعد التثبيت أن جزءا كبيرا من الحركة كان علاوة تحوط مرتبطة بخطر رفع الفائدة.
لكن صعود أجل الستة أشهر يقدم رسالة أخرى لا تقل أهمية، البنوك أغلقت ملف الرفع الفوري، لكنها لم تغلق ملف التشديد النقدي. فالقلق لم يختف، بل انتقل من قرار الاجتماع الحالي إلى مسار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

