يهدد الجفاف بشلّ نهر الراين ليصبح رابع ممر مائي عالمي يتعرض للاضطراب بعد هرمز والبحر الأسود وباب المندب
- انخفاض منسوب المياه إلى مستويات قياسية يعطل الملاحة ويهدد إمدادات الوقود والمواد الخام للصناعات الأوروبية
- قفزت كلفة نقل البضائع عبر الراين إلى نحو 150 يورو للطن مقارنةً بنحو 20 يورو عادةً
الخلاصة
بعد هرمز والبحر الأسود وباب المندب، يدخل نهر الراين دائرة الخطر. الجفاف يهدد بشل شريان الصناعة الأوروبية ورفع كلفة الشحن وإرباك الإمدادات
إن فقدان ممرّ مائي حيوي واحد ربما يُعزى إلى سوء الحظ، لكن فقدان اثنين يبدو إهمالاً.. مع الاعتذار إلى أوسكار وايلد.
بالطبع، تجاوزنا مرحلة الإهمال بأشواط، وها نحن نندفع اليوم نحو الكارثة، إثر فقدان ثلاثة ممرات مائية رئيسية: مضيق هرمز، وموانئ البحر الأسود، ومضيق باب المندب في البحر الأحمر. ويبدو أن نهر الراين العظيم في طريقه لينضم إلى اللائحة.
شريان الصناعة الأوروبية
يمتد نهر الراين عبر شمال غربي أوروبا. وفي حين قد لا يحظى بمكانة جيوسياسية تضاهي الممرات المائية التي تصدرت عناوين الأخبار في الآونة الأخيرة، إلا أنه لا يقل عنها أهمية؛ إذ يعمل كحزام ناقل يربط المصانع الكيميائية، ومصافي النفط، ومسابك الصلب، ومحطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم، وغيرها من المنشآت الصناعية في سويسرا وألمانيا وفرنسا بالموانئ الهولندية.
وتختصر شركة “باسف” (BASF)، عملاقة الصناعات الكيميائية الألمانية، هذه الأهمية بالقول: “من دون نهر الراين، سينهار الإنتاج الصناعي في أوروبا الغربية”.
يُعدّ نهر الراين أحد أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم، إذ يشهد يومياً عبور نحو 6900 سفينة شحن تنقل البضائع ذهاباً وإياباً على امتداد مجراه البالغ نحو 800 ميل.
غير أن الخطر الذي يهدده لا يأتي من الحروب أو الاضطرابات الجيوسياسية، بل من شحّ الأمطار. فقد أدى الجفاف الحاد، الذي يُرجَّح أن التغير المناخي فاقم حدته، إلى هبوط منسوب مياه النهر إلى مستويات متدنية للغاية، ما تسبب في شلل شبه كامل في حركة النقل النهري.
شلل الراين يهدد اقتصاد أوروبا
لطالما عانى نهر الراين من انخفاض منسوب مياهه، بما في ذلك حالات انخفاض في منسوب المياه في أعوام 1947 و1959 و1964 و1976، قبل أن يتعرض في عام 2018 لجفاف تاريخي أجبر عدداً من المنشآت الصناعية على ضفافه على وقف عملياتها، وخفض معدل النمو الاقتصادي الألماني بعدة أعشار من نقطة مئوية.
وإذا لم تهطل الأمطار قريباً، فإن أزمة عام 2026 تتجه لأن تضاهي على الأقل أزمة 2018، إن لم تتجاوزها، خصوصاً أن شهري أغسطس وسبتمبر، وهما الأكثر جفافاً بالنسبة إلى نهر الراين، لا يزالان أمامنا.
إذا ما انخفض منسوب المياه إلى الحد الذي تتوقف معه الملاحة، ستمتد التداعيات سريعاً إلى عمق أوروبا. فقد تضطر سويسرا، خلال أسابيع، إلى السحب من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، مع تعذر تأمين كميات كافية من المنتجات النفطية المكررة، مثل الديزل، التي تصل عادة بالصنادل عبر نهر الراين من مركز تجارة النفط في أنتويرب وروتردام وأمستردام.
وفي ألمانيا، قد تضطر مصانع البتروكيماويات ومسابك الصلب إلى خفض إنتاجها بسبب نقص المواد الخام الواردة عبر موانئ بحر الشمال، كما قد تواجه بعض المناطق شحاً في إمدادات الوقود.
دفعت الأسعار المرتفعة الناجمة عن حرب إيران كثيراً من الشركات إلى تقليص مشترياتها من الوقود خلال الأشهر الماضية إلى الحد الأدنى، والاكتفاء بتأمين احتياجاتها اليومية، وتأتي اضطرابات نهر الراين في أسوأ توقيت ممكن.
الراين يقترب من المستوى الحرج
بات متداولو السلع في الأسواق الأوروبية الداخلية يتابعون توقعات هطول الأمطار، بقدر ما يراقب نظراؤهم في الشرق الأوسط الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وتتجه الأنظار إلى بلدة كاوب، الواقعة جنوب مدينة كولونيا، باعتبارها أهم نقطة اختناق عند نهر الراين. ففي هذه البلدة الخلابة، التي تصطف على ضفاف النهر فيها قلاع تعود إلى العصور الوسطى، يبلغ منسوب المياه عادة نحو 200 سنتيمتر في هذا الوقت من العام، فيما يبدأ المستوى الحرج عند 78 سنتيمتراً، وعندما ينخفض المنسوب عن هذا المستوى، تُضطر معظم سفن الشحن النهرية إلى تقليص حمولتها لتجنب الجنوح.
غير أن مقياس المياه في كاوب سجل يوم الثلاثاء 27 سنتيمتراً فقط، وهو أدنى مستوى يُسجل في مثل هذا الوقت المبكر من فصل الصيف. ومع غياب أي مؤشرات إلى هطول الأمطار، يتوقع متداولو السلع أن يهبط منسوب المياه في كاوب خلال هذا الأسبوع إلى ما دون المستوى المتدني البالغ 25 سنتيمتراً، المسجل في أكتوبر 2018، ليبلغ بذلك أدنى مستوى له في ما لا يقل عن 36 عاماً.
بدائل باهظة ومحدودة
كما هي الحال في مضيق هرمز أو باب المندب، ثمة مسارات بديلة، لكن اللجوء إليها ليس سهلاً أو زهيد التكلفة. يتمثل خط الدفاع الأول في طراز جديد من الصنادل النهرية، صُمم للعمل في ظروف الانخفاض الحاد لمنسوب المياه، عقب أزمة عام 2018. وحتى الآن، لا تزال هذه السفن قادرة على تجاوز قاع النهر الصخري عند نقطة الاختناق في كاوب.
لكن ذلك يأتي على حساب تراجع كبير في الطاقة الاستيعابية، إذ خُفِّضت حمولات السفن لإبقاء السفن عائمة على أعلى مستوى ممكن فوق المياه. ففي الأسبوع الماضي، هبط متوسط الحمولة إلى 800 طن فقط، مقارنةً بنحو 5100 طن في الظروف الطبيعية. وإذا استمر منسوب المياه في الانخفاض كما هو متوقع، فقد تصبح حتى هذه السفن، بحلول نهاية الأسبوع، غير قادرة على نقل كميات تكفي لتبرير تشغيلها اقتصادياً.
ولأن نقل الكمية نفسها من البضائع أصبح يتطلب عدداً أكبر من سفن الشحن النهرية، أخذت تكاليف الشحن تتصاعد بوتيرة حادة. فقد بلغت كلفة النقل على أساس الطن المتري من روتردام إلى الوجهات الواقعة جنوب كاوب نحو 150 يورو (171 دولاراً)، وهو أعلى مستوى يُسجل على الإطلاق، مقارنةً بنحو 20 يورو فقط للطن في الظروف الطبيعية.
أما البديل الآخر، فيقتضي نقل البضائع عبر السكك الحديدية، لكنه يصطدم بعقبة أخرى. ففي هذا الصيف، تنفذ ألمانيا أعمال تجديد لخط سكك حديدية موازٍ لنهر الراين، ويشمل الجزء المتأثر من الخط، الممتد بين ترويسدورف وفيسبادن، نقطة الاختناق في كاوب. ولن يُعاد تشغيل هذا الخط قبل ديسمبر.
رغم توافر خطوط سكك حديدية بديلة، فإن استخدامها يستلزم تحويل مسارات الشحن بشكل كبير، ما يزيد التكاليف ويطيل زمن النقل، ويحدّ من القدرة الاستيعابية. أما النقل بالشاحنات، فلا يُلجأ إليه إلا كخيار أخير، إذ إن تعويض حمولة سفينة شحن نهرية واحدة يتطلب تشغيل ما لا يقل عن 100 شاحنة، ولذلك لا تُستخدم الشاحنات إلا في الحالات الحرجة.
واقع جديد يفرضه المناخ
بدأ قطاع الصناعة بالفعل إعداد خطط طوارئ لمواجهة الأزمة. فضفاف نهر الراين تحتضن شركات صناعية كبرى في أوروبا، وفي مقدمتها أكبر مجمع للصناعات الكيميائية في العالم، الذي تشغله شركة “باسف” في مدينة لودفيغسهافن، الواقعة جنوب كاوب. كما تنتشر على امتداد النهر مصانع كبرى تابعة لشركات مثل “دايملر” (Daimler AG)، و”روبرت بوش” (Robert Bosch)، و”باير” (Bayer AG)، و”تيسنكروب” (Thyssenkrupp AG)، وغيرها.
يرى المسؤولون الألمان أن موجات الجفاف التاريخية التي تضرب نهر الراين، مثل الجفاف الذي شهده النهر في عام 2018 ويشهده مجدداً هذا العام، لم تعد أحداثاً نادرة، بل هي مرشحة لأن تصبح واقعاً متكرراً. فبعدما كانت تحدث مرة كل ستة عقود تقريباً، قد تتكرر مستقبلاً مرة كل 10 إلى 20 عاماً.
وإذا كانت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قد أعادت التذكير بهشاشة الممرات المائية أمام الحروب، فإن أزمة نهر الراين مثال صارخ على أن عالماً أكثر حرارة سيفعل الشيء نفسه في الملاحة النهرية.
كاتب عمود في مجال الطاقة والسلع في بلومبرغ
خاص بـ “الشرق بلومبرغ”

