لوحة «ألف ليلة وليلة» التي أنجزها بدر عباس تعيد الكتاب الأشهر إلى الحياة البصرية، وتحوّل الحكايات إلى مسرح من رموز وأحرف يشتغل فيها الفنان على الذاكرة العربية بأدوات معاصرة، في توليفة تجعل النص الكلاسيكي قريباً من عين اليوم.
الرؤية هنا سردية قبل أن تكون زخرفية: وجها شهريار وشهرزاد يظهران بتكوينات هندسية حادة كأنهما في حوار متصل، فيما تتداخل خلفهما قباب ومآذن وقصور تستدعي بغداد القديمة. المشاهد لا يطالع قصة واحدة، بل يتنقل عبر مشاهد متتابعة تصنعها الإشارات البصرية وتمنح الحكاية جناحين.
لغة بصرية تقرأ التراث
عباس يوظف الحرف العربي جزءاً من البناء لا مجرد تزيين؛ يثبت عنوان «ألف ليلة وليلة» إلى يسار التكوين قرب موضع القلب، ويضع تدويناً خطياً في الركن السفلي الأيسر يتضمن العبارة الافتتاحية الشهيرة للكتاب. بهذا يحوّل النص إلى محور يُمسك بالصورة ويُعرّفها.
الرموز تعمل بوصفها أدوات حكي: مصباح علاء الدين يستقر في يد الملك، ودلة القهوة والملابس المطرزة والعناصر التقليدية مثل الطربوش والغترة تبقى مقروءة رغم الحجب التكعيبي المتعمد للملامح. الإيحاء بالسحر والترف وعوالم الخيال يخدم الحكاية التي تُبقي الملك منصتاً، فتغدو العناصر علامات تقود القراءة لا تفاصيل هامشية.
تفاصيل التكوين واللون
التقنية قائمة على تفكيك الأشياء التراثية وإعادة تركيبها بزوايا متقاطعة، مع لعبة ضوء وعتمة تبرز النقاط المفصلية وتوجه حركة العين. لوحة الألوان غنية: الأحمر، والأزرق النيلي، والبنفسجي، والذهبي يزخرفان الأقمشة والحلي ويصنعان بهجة بصرية توازي فانتازيا الحكايات. دمج القباب والمآذن بين الشخصيات يمنح المشهد بعداً مكانياً وتاريخياً يطوّق السرد.
الفنان وخلفية التجربة
بدر عباس من التشكيليين البارزين الذين صاغوا لغتهم من تزاوج الانطباعية مع التكعيبية الحديثة، مستلهماً أسماء عالمية مثل سلفادور دالي وبابلو بيكاسو وجورج كوندو. هو فنان عصامي طوّر أدواته تدريجياً حتى بات له حضور خاص في المشهدين المحلي والدولي. العمل الحالي أنجزه في أغسطس 2020، وقد لقي اهتماماً داخل الحراك الفني الإماراتي لقيمته الفكرية والبصرية.
هذا التوجّه—إحياء الحكايات المتخيلة المرتبطة بالبيئة العربية برؤية معاصرة—لا يقتصر على استدعاء تراث محبوب؛ إنه مشروع مفتوح يمكن أن يتطوّر إلى سلسلة متكاملة توظّف اللون وضربات الفرشاة لإعادة تقديم المرويات بصيغة بصرية جديدة.


تعليقات