ضفدع القصب الأسترالي.. حكاية قرار بلا خبير تحولت لأزمة بيئية

تفاصيل ضفدع القصب
شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في ثلاثينيات القرن الماضي، رأت الحكومة الأسترالية في قصب السكر فرصة اقتصادية واعدة، فقررت التوسع في زراعته واستوردت أصنافا جديدة لم تكن البيئة المحلية قد تعاملت معها من قبل، وبدا القرار وقتها منطقيا لان زيادة الانتاج تعني زيادة العائد المادي، لكن ما لم يحسبه احد ان هذه الاصناف الجديدة جذبت خنافس تتغذى على المحصول نفسه.

تحولت المشكلة سريعا الى تهديد حقيقي لمزارع قصب السكر، ومع تصاعد الخسائر، بحثت الحكومة عن حل عاجل، فاستوردت ضفدع القصب المعروف علميا باسم Cane Toad من امريكا الجنوبية، على امل ان يقضي هذا الكائن على الخنافس المسببة للازمة.

غير ان الضفدع لم يكن يتغذى على الخنافس التي تستقر في اعلى سيقان القصب، بل بقي عند الارض يبحث عن فرائس مختلفة تماما، ثم تكاثر بصورة هائلة وانتشر في اغلب انحاء البلاد، وتحول الى واحد من اخطر الكائنات الغازية في تاريخ استراليا، مسببا خللا بيئيا ما زالت اثاره قائمة حتى اليوم.

تبدو هذه القصة للوهلة الاولى حكاية زراعية او بيئية بحتة، لكنها في جوهرها قصة عن طريقة اتخاذ القرار، فكل خطوة فيها جاءت لعلاج اثر القرار السابق، وكل حل وُلد قبل ان يُفهم اصل المشكلة، حتى انتهى الامر بازمة اكبر من الازمة الاولى.

ولو قرأنا الحادثة بعيدا عن تفاصيلها الزراعية، فانها تلخص سببين يتكرران في كثير من الازمات المشابهة، غياب المتخصص عن طاولة القرار، واستنساخ حلول نجحت في بيئة مختلفة تماما ثم افتراض انها ستنجح بالقدر نفسه في بيئة اخرى.

دور المتخصص في القرار

ضفدع القصب الأسترالي.. حكاية قرار بلا خبير تحولت لأزمة بيئية

المتخصص لا يقدم اجابة اسرع من غيره، بل يطرح السؤال الصحيح اولا، وهو الذي يدرك ان المشكلة ليست دائما فيما يظهر على السطح، وان الحل لا يبدا باستيراد تجربة جاهزة من مكان اخر، بل بفهم السياق الذي نشات فيه الازمة نفسها.

وحين يغيب هذا الصوت، تتحول القرارات الى حلقات متتابعة، يعالج كل منها نتائج القرار الذي سبقه، بينما يظل السبب الحقيقي قائما دون تغيير، فتتراكم الاخطاء حتى تبدو كانها قدر لا يمكن تجنبه، مع انها بدات من لحظة واحدة اُقصي فيها صاحب المعرفة عن مكانه.

وهذا المشهد لا يختلف كثيرا عما يحدث داخل المؤسسات، سواء في القطاع العام او الخاص، فكم من مشروع تعثر لان قرارا استراتيجيا صيغ بعيدا عن المختصين، وكم من حملة اُطلقت لانها نجحت في دولة او شركة اخرى، من دون ان يُسال السؤال الاهم، هل تشبه بيئتنا هذه التجربة اصلا.

فالمؤسسات لا تعمل داخل فراغ، بل داخل مجتمعات لها ثقافتها وجماهيرها واولوياتها، وما يحقق النجاح في مكان قد يتحول الى عبء ثقيل في مكان اخر اذا نُقل كما هو بلا تعديل.

العلاقات العامة نموذجا

تعد العلاقات العامة من اكثر التخصصات التي دفعت ثمن هذا الفهم القاصر، فما زالت بعض الجهات تختزلها في تنظيم المناسبات او نشر الاخبار او ادارة حسابات التواصل الاجتماعي، بينما هي في جوهرها وظيفة ادارية واستراتيجية تشارك في صناعة القرار، وتقرا اصحاب المصلحة، وتقيس الصورة الذهنية، وتحمي السمعة المؤسسية، وتستشرف المخاطر قبل ان تتحول الى ازمات فعلية.

ولذلك فان غياب متخصص العلاقات العامة لا ينعكس فقط على جودة المحتوى او شكل الرسالة، بل يمتد الى القرار نفسه، وتوقيته، وطريقة تقديمه، وطبيعة استقبال الجمهور له.

عندما يغيب هذا التخصص، تضعف الثقة بين المؤسسة واصحاب المصلحة، ويتراجع الاتصال الداخلي، وتصبح ادارة الازمات فعلا متاخرا بدل ان تكون ممارسة استباقية، وتُستنسخ الحملات الاعلامية من تجارب لا تشبه المجتمع الذي تخاطبه، فتبدو الرسائل متقنة في شكلها، لكنها عاجزة عن تحقيق اثرها الحقيقي.

وحينها لا تكون المشكلة في نقص الابداع، بل في غياب من يفهم البيئة التي يتحرك فيها هذا الابداع، فالدفاع عن التخصص ليس دفاعا عن مهنة بعينها، بل عن جودة القرار نفسه.

المؤسسات الناجحة تعرف من يجب ان يكون حاضرا حول طاولة القرار، ومتى يتحدث، وفي اي مساحة يُسمع صوته، وكلما اتسعت الفجوة بين القرار والتخصص، اتسعت معها احتمالات الخطا، مهما حسنت النيات وراء القرار.

بدات ازمة استراليا بخنفساء صغيرة، لكنها استمرت لعقود كاملة بسبب سلسلة من القرارات لم تُبنَ على فهم عميق للمشكلة الاصلية، وتبقى هذه الحادثة مسجلة في تاريخ الكوارث البيئية كواحدة من اشهر امثلة الحل الذي صار اخطر من المرض.

alaa zoklefكاتب ومحرر في عدة مواقع إخبارية والعمل في المواقع الإخبارية الحصرية خريج كلية التربية الرياضية جامعة الأزهر حصل علي كورس الإصابات الرياضية والعلاج الطبيعي وعضو الجمعية المصرية للطب الرياضي وحاصل علي كورس مساج ونوط الواجب العسكري من الدرجة الثالثة معلم سباحة لدي نادي النصر الرياضي

عرض جميع مقالات alaa zoklef ←
‫0 تعليق

اترك تعليقاً