مبادرات تعلن كل اسبوع، اجتماعات لا تنتهي، شاشات ترصد ارقاما متسارعة، هذا المشهد الذي يعيشه كثير من الخبراء والمستشارين في قطاعات التخطيط وتطوير الاعمال عند دخولهم منشاة طموحة، يبدو للوهلة الاولى دليل حيوية، لكن الحقيقة التي يكشفها التحليل مختلفة تماما.
بعد اشهر قليلة من الاندفاع، يتضح ان معظم تلك المشاريع ولدت ميتة، ولم تكن سوى زوبعة من الانشطة اللحظية التي تلاشت فور انتهاء حفل الاطلاق، بلا اثر ملموس يخدم المستفيد النهائي او يرفع كفاءة التشغيل، وهذا ما يطلق عليه التحليل اسم عجلة التسرع، وهي ليست دليل نشاط بل عارض لمرض تنظيمي صامت يضرب المنشآت من الداخل.
سيكولوجية الانبهار بالبدايات
ينشا هذا السلوك حين تقع القيادات تحت ضغط الرغبة في اثبات الحضور السريع امام اصحاب المصلحة، فتهجر رصانة التخطيط وتندفع نحو العشوائية، محولة المنظومة الى مطحنة تلتهم الموارد وتصنع واجهات براقة تخفي خلفها تهالك الجودة المؤسسية.
الرغبة في التطوير السريع وضخ الدماء الجديدة في عروق المنشآت مطلب استراتيجي مستحق، والمرونة في اقتناص الفرص ميزة تنافسية كبرى في عصر التحولات المتسارعة، لكن الازمة تحدث عندما ينفصل قرار الاطلاق عن قدرة الاستدامة، فتتحول المبادرة من وسيلة لحل مشكلة تشغيلية حقيقية الى غاية في حد ذاتها لمجرد تزيين التقارير الدورية.
عندما تفتقد القيادة التواضع المعرفي، يصيبها انحياز سلوكي يجعلها تبحث عن الانتصارات السريعة وسهلة التسويق حتى لو كانت بلا عمق، ويصبح الاحتفاء برقم المبادرات المطلقة اهم من قياس اثرها الفعلي على ارض الواقع، وهذا النمط ينتج ثقافة مؤسسية هشة تقتات على الصخب الاعلامي والبريق اللحظي.
استنزاف المخلصين وتكلفة تشتيت الجهود
حينما تسود عجلة التسرع داخل اروقة الكيانات، تقع الطاقات البشرية المخلصة ضحية لما يسميه التحليل الاستنزاف النظيف، فيطلب من الكفاءات اللامعة صياغة خطط لمشاريع عملاقة خلال ايام معدودة، دون منحهم الوقت الكافي لبناء دراسات جدوى حقيقية او فحص البنية التحتية الجاهزة للتشغيل.
وبمجرد ان يبدا الفريق في استيعاب المبادرة الاولى والعمل على تذليل عقباتها، تفاجئهم الادارة بمبادرة ثانية وثالثة، لتدخل المنظمة في دوامة من تشتيت الجهود وهدر التركيز المؤسسي.
التكلفة الاستراتيجية لهذه العشوائية فادحة، فهي لا تقتصر على الهدر المالي وضياع الميزانيات في قنوات غير مدروسة، بل تمتد لتضرب اثمن ما تملكه المنظمة، وهو راس مالها البشري وجدارتها التنظيمية، فرؤية المشاريع تتساقط وتهمل بعد بريق الاحتفاء يقتل الشغف في قلوب المخلصين، ويحول بيئة العمل الى مسرح للامتثال الصامت.
يتعلم الموظف في هذه البيئة ان يساير عجلة الادارة ويقدم لها ارقاما وهمية ليحمي نفسه من اللوم، لتسقط الجودة المؤسسية في مقبرة الوعود المنسية.
اطلاق عشرة مشاريع عشوائية تنتهي جميعها بالفشل لا يصنع حيوية، بل يصنع ارثا تنظيميا مثقلا بالخيبات، والعبقرية القيادية الحقيقية تتجلى في امتلاك الشجاعة لقول لا للمبادرات الاستعراضية، والتركيز على مشروع واحد رصين يترك اثرا مستداما عابرا للاشخاص والزمن.
التواضع المعرفي والتميز المستدام
بتحليل الكيانات الرائدة عالميا ومحليا، يتبين ان الاستدامة لا تتحقق بكثرة الضجيج بل برصانة البناء، فالمنظمات التي تمارس التواضع الفكري وتخضع مبادراتها لحوكمة صارمة ودراسات اثر حقيقية قبل الاطلاق هي التي تنجح في تحويل الافكار الى منجزات راسخة تخدم المجتمع وتدوم طويلا.
المشاريع الوطنية الكبرى والتحولات التي تعيشها بيئة الاعمال السعودية تحت مظلة رؤية 2030، اثبتت ان الصدارة لا تنال بالارتجال او العجلة، بل بالتخطيط المحكم القائم على لغة الارقام الفكرية والشفافية والمساءلة، فالرؤية التي يقودها ولي العهد ترتكز على جودة الاثر واستدامة النتيجة.
ولذلك تلاشت مساحات المناورة بالمبادرات الصورية التي لا تنعكس ايجابا على جودة الحياة او كفاءة الانفاق، والارتقاء بالعمليات نحو مواصفات الجودة العالمية يتطلب من القيادات التخلي عن عقلية المضاربة اللحظية بالمشاريع.
القائد الرصين لا يجد حرجا في ابطاء العجلة لمراجعة المنظومة وتدقيق جاهزية البنية التحتية، والحوكمة الحقيقية تقتضي تفعيل الذكاء الجمعي واشراك الصف الثاني في دراسة المخاطر التشغيلية.
