لم يكن استكشاف الفضاء مجرد سباق علمي بين البشر، بل تحول خلال سنوات الحرب الباردة إلى ساحة جديدة للتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وبينما تنافس الطرفان على تحقيق الإنجازات الأولى خارج الأرض، خاض السوفييت تجربة استثنائية في محاولة الوصول إلى كوكب الزهرة، أحد أقرب جيران الأرض وأكثر الكواكب غموضا وقسوة.
اقرا أيضأ|هل تريد محمد صلاح؟.. سر رسالة أنهت صفقة «مو» إلى طرابزون التركي
اقرأ أيضا: الجيش اللبناني: إصابة عسكري نتيجة استهداف إسرائيلي لجرافة تابعة لنا في بلدة المنصوري جنوبي البلاد
وعلى مدار أكثر من عقدين، أطلق الاتحاد السوفيتي سلسلة من المسابير ضمن برنامج «فينيرا»، في محاولة لفهم طبيعة الزهرة وبيئته القاسية، ورغم فشل عدد من البعثات الأولى، تمكن السوفييت في النهاية من تحقيق إنجازات تاريخية، شملت أول هبوط على سطح كوكب آخر، والتقاط أول صور لسطحه، وصولا إلى تسجيل أول صوت من عالم خارج الأرض.
سباق الفضاء.. منافسة تتجاوز حدود الأرض
مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، دخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في منافسة شاملة شملت المجالات العسكرية والسياسية والاستخباراتية، إلى جانب سباق علمي وتكنولوجي غير مسبوق،وكان الفضاء إحدى أبرز ساحات هذه المنافسة، إذ سعى كل طرف إلى إثبات تفوقه العلمي وقدرته على الوصول إلى أماكن لم تطأها البشرية من قبل، وفي عام 1957، حقق الاتحاد السوفيتي إنجازا تاريخيا بإطلاق «سبوتنيك»، أول قمر صناعي من صنع الإنسان يصل إلى الفضاء، وبعدها بأربع سنوات، أصبح رائد الفضاء السوفيتي يوري جاجارين أول إنسان يسافر إلى الفضاء، في إنجاز عزز مكانة موسكو في سباق الفضاء وأثار قلقا كبيرا لدى الولايات المتحدة.
فينيرا.. السوفييت يبدأون مطاردة الزهرة
لم تتوقف الطموحات السوفيتية عند مدار الأرض أو استكشاف القمر، ففي عام 1961 أطلق الاتحاد السوفيتي برنامج «فينيرا» بهدف الوصول إلى كوكب الزهرة ودراسة غلافه الجوي وسطحه والظروف البيئية المحيطة به.
وكان الزهرة يحظى باهتمام كبير من العلماء، نظرا لقربه من الأرض وتشابه بعض خصائصه معها، حتى إن البعض وصفه في السابق بأنه «توأم الأرض»، وظهرت تساؤلات حول إمكانية وجود ظروف مناسبة للحياة على سطحه،لكن الواقع الذي كشفت عنه المهمات الفضائية كان مختلفا تماما.
محاولات أولى انتهت بالفشل
في 12 فبراير 1961، أطلق السوفييت مسبار فينيرا 1 باتجاه الزهرة، وكان الهدف منه دراسة الكوكب أثناء التحليق بالقرب منه وإرسال البيانات العلمية إلى الأرض، لكن المهمة لم تسر وفق الخطة، إذ تعطلت أجزاء من المسبار أثناء رحلته بين الأرض والزهرة، ثم انقطع الاتصال به بشكل نهائي، وفي عام 1965، أطلق السوفييت مسبار فينيرا 2، وتمكن من المرور على مسافة تزيد على 23 ألف كيلومتر من سطح الزهرة، لكنه تعرض أيضًا لعطل حال دون إرسال بيانات علمية مهمة إلى الأرض ومع ذلك، لم تتراجع موسكو، واستمرت في تطوير المسابير وتحسين قدرتها على تحمل الظروف الصعبة التي تنتظرها على الكوكب.
فينيرا 7.. أول هبوط على كوكب آخر
شهد عام 1970 إحدى أهم اللحظات في تاريخ استكشاف الفضاء، عندما نجح المسبار فينيرا 7 في الوصول إلى سطح كوكب الزهرة،وأصبح المسبار بذلك أول جسم من صنع الإنسان يهبط على سطح كوكب آخر، وهو إنجاز علمي غير مسبوق في ذلك الوقت،ورغم أن المسبار لم يصمد طويلا أمام الظروف القاسية، فإنه تمكن من إرسال بيانات إلى الأرض قبل أن ينقطع الاتصال به بعد نحو 23 دقيقة، وكانت هذه المهمة نقطة تحول مهمة، لأنها أثبتت إمكانية الهبوط على سطح الزهرة وجمع بيانات مباشرة من بيئته.
اقرأ أيضا: أسعار الحديد والأسمنت بأسواق مواد البناء اليوم الجمعة 7 أغسطس 2026
فينيرا 9.. أول صور لسطح «الجحيم»
في 22 أكتوبر 1975، وصل مسبار فينيرا 9 إلى سطح الزهرة، في واحدة من أبرز بعثات البرنامج السوفيتي،وتمكن المسبار من إجراء قياسات للغلاف الجوي، كما أكد مدى قسوة البيئة على سطح الكوكب، حيث يبلغ الضغط الجوي نحو 90 ضعف الضغط الموجود على سطح الأرض، بينما تصل درجات الحرارة إلى حوالي 485 درجة مئوية،وصمد فينيرا 9 على السطح لنحو 53 دقيقة، تمكن خلالها من إرسال أول صورة بانورامية لسطح كوكب الزهرة، ورسمت الصور القادمة من المسبار صورة مختلفة تماما عن التصورات القديمة للكوكب، إذ ظهر سطحه صخريا وقاسيا، وسط ظروف بيئية جعلت الزهرة يوصف بأنه أحد أكثر الأماكن قسوة في النظام الشمسي.
فينيرا 13.. صوت من عالم آخر
بلغ برنامج فينيرا واحدة من أهم مراحله عام 1981، عندما أطلق الاتحاد السوفيتي مسبار فينيرا 13 باتجاه الزهرة، وفي مطلع مارس 1982، هبط المسبار في منطقة Phoebe Regio على سطح الكوكب، وتمكن من العمل لمدة وصلت إلى نحو 127 دقيقة، وهي مدة لافتة بالنظر إلى الظروف القاسية التي واجهها وخلال مهمته، أرسل فينيرا 13 صورا ملونة لسطح الزهرة، كما أجرى تحليلات لعينات من الصخور والتربة، وقدم معلومات علمية مهمة حول طبيعة الكوكب،لكن الإنجاز الأكثر إثارة تمثل في تسجيل أول صوت يصل إلى البشر من سطح كوكب آخر غير الأرض، لتصبح المهمة واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ استكشاف الفضاء.
لماذا توقف برنامج فينيرا؟
واصل الاتحاد السوفيتي إرسال بعثات لاستكشاف الزهرة حتى عام 1984، واتجهت بعض المهمات اللاحقة إلى دراسة الكوكب ورسم خرائط لسطحه، لكن برنامج فينيرا بدأ يتراجع تدريجيًا مع تحقيق عدد كبير من أهدافه العلمية، إلى جانب الصعوبات المالية التي واجهها الاتحاد السوفيتي خلال ثمانينيات القرن الماضي، فضلًا عن تحول الاهتمام نحو استكشاف مناطق وكواكب أخرى في النظام الشمسي.
ورغم توقف البرنامج، بقيت بعثات فينيرا شاهدة على مرحلة استثنائية من تاريخ استكشاف الفضاء، بعدما نجح السوفييت في تحويل كوكب وصف لسنوات بأنه «الجحيم» إلى عالم يمكن للبشر دراسته من سطحه، ولو لفترات قصيرة.
اقرأ أيضا: تعرف على كيفية إنشاء حساب جديد على موقع وزارة الداخلية المصرية
