تمت مناقشة إمكانية انضمام نائب وزير الأمن القومي السابق، يوآفسيغلوفيتش، إلى حزب “راعم” (القائمة الموحدة)، قبل بضعة أشهر. وقد تكرر ذكر اسمه في المقابلات والنقاشات السياسية وفي أروقة الكنيست. وسئل كل من سيغلوفيتش ورئيس الحزب منصور عباس، عن ذلك أكثر من مرة. وفي كل مرة اكتفيا بإجابة حذرة، لا تؤكد ولا تنفي.
ازدادت الأنباء في الأسبوع الماضي حول هذه الاتصالات، ولم يكن التوقيت صدفياً. ففي “راعم” يستعدون للانتخابات التمهيدية في غضون ثلاثة أسابيع. لأول مرة سينتخب الحزب ممثليه للكنيست بشكل مستقل عن الحركة الإسلامية ومجلس الشورى. وقد زادت حدة هذه الأنباء في الأسبوع الماضي بسبب الردود الرسمية. فقد أوضح سيغلوفيتش الذي هو الآن في إجازة في الخارج، بواسطة متحدثه الرسمي بأنه ما زال جزءاً من حزب “معا” برئاسة نفتالي بينيت ويئير لبيد، ولكن المقربين منه لم ينفوا وجود هذه الاتصالات. وأكد عباس أنه لا يمكن القيام بأي خطوة كهذه قبل انتهاء الانتخابات التمهيدية في 22 آب الحالي، لكنه لم ينف أيضاً إجراء محادثات مع سيغلوفيتش. في عالم السياسة، حتى التأكيد الجزئي يعدّ تأكيداً على وجود أمر قيد الفحص.
السؤال المطروح هو: هل كان يُعد لهذه خطوة من أسابيع، منذ التواصل بين بينيت ولبيد، وتهدف إلى أحداث تغيير استراتيجي، أم أنها فقط جس نبض يهدف إلى اختبار ردود فعل الرأي العام والنظام السياسي؟ إذا كانت هذه خطوة حقيقية بالفعل، فيصعب اعتبارها خطوة سياسية ذكية من ناحية منصور عباس. رئيس حزب “راعم” يعمل منذ فترة إلى إعادة تشكيل حزبه ليصبح حزباً مدنياً وعملياً، غير تابع للتيار الإسلامي. ويؤكد في كل مقاربة تقريباً أن الحزب يعمل باستقلالية، وأن مؤسساته هي التي تتخذ القرارات، وأن بابه مفتوح أمام كل مواطن، يهودياً كان أم عربياً، يتبنى برنامجه.
لذلك، فإن الأجندة التي يروجها مدنية تماماً: مكافحة الجريمة والأمن الشخصي (هذه من القضايا الملحة في المجتمع العربي)، والتنمية الاقتصادية، بل وحتى الاستعداد لمناقشة الخدمة المدنية في المجتمع العربي. وهو لا يخفي رغبته في الانضمام للائتلاف الحاكم القادم، ولا يخفي خوفه من محاولة اليمين ومعسكر نتنياهو من شطب حزب “راعم” قبل الانتخابات.
هنا بالتحديد يبرز دور سيغلوفيتش، المفتش المتقاعد ومن أبرز الأصوات الداعمة لمكافحة الجريمة والعنف ونائب وزير الأمن القومي السابق. وانضمامه إلى القائمة لا يعزز رسالة “راعم” المدنية فحسب، بل أيضاًيصعّب على خصومها تصويرها كحزب متطرف أو حزب غير شرعي للمشاركة في الائتلاف.
أما فيما يتعلق بالسياسة الداخلي للحزب، فقد أصبح عباس الآن في وضع أكثر راحة من قبل. فبعد أن كان عليه في السابق التعامل مع مؤسسات التيار الإسلامي لتمرير الإجراءات المختلفة، أصبح القرار الآن يتخذ بشكل حصري في داخل مؤسسات الحزب. ويمتلك منصور عباس سيطرة شبه كاملة على آلية الحزب، فإذا قرر السير قدماً في هذه الخطوة فمن غير المرجح أن تتمكن أي معارضة داخلية من وقفه.
لكن لهذه الخطوة ثمن أيضاً. فإذا تم وضع سيغلوفيتش في المكان الثاني في القائمة، كما يقول المقربون منه، فإن المرشحين الحاليين للحزب الديمقراطي الجديد، بمن فيهم ممثلون عن النقب – المنطقة التي تعتبر قاعدة انتخابية مركزية للحزب – سيتراجعون مرتبة واحدة. مع ذلك، سيتمكن منصور عباس من القول بأن هذا استثمار مربح. إذا احضر سيغلوفيتش لـ “راعم” مقعداً آخر، وربما مقعدين، فسيجد المرشحون الذين تم دفعهم خطوة إلى الخلف، أنفسهم في الكنيست.
لكن لا يمكن استبعاد احتمال آخر. فالأمر كله ليس سوى اختبار للسوق. قد يسعى سيغلوفيتش إلى اختبار رد فعل الجمهور، وتحسين مكانه في “يوجد مستقبل”، وربما حتى الإشارة إلى الأحزاب الأخرى، بما في ذلك “الديمقراطيون”، إلى أنه لاعب مطلوب في الساحة السياسية. والسؤال المطروح على الجانب الآخر للمعادلة: لماذا يقدم سيغلوفيتش إلى هذه الخطوة؟ حسب من تحدثوا معه، هناك عدة تفسيرات محتملة: الأول، سياسي؛ فمنذ تحالف “يوجد مستقبل” مع بينيت، وسيغلوفيتش يشعر بأنه لن يحقق مكاسبه المطلوبة من القاعدة الشعبية العربية، رغم أنه برز في السنوات الأخيرة كشخص يعمل على مكافحة الجريمة في الوسط العربي. ويقدر عدد غير قليل من الناخبين العرب جهوده، ولكنهم يجدون صعوبة في التصويت لقائمة بينيت بسبب مواقفه اليمينية من القضية الفلسطينية، ومن مواقفه بشكل عام.
داخل حزب “يوجد مستقبل” أصوات تنتقد التحالف مع بينيت. وقد اشتكى المقربون من سيغلوفيتش، بمن فيهم صديقه في الحزب عضو الكنيست الذي انتخب حديثاً محمد أبو الهيجا، مؤخراً من تهميش أصوات العرب في الحزب وتراجع مكانتها نتيجة هذا التحالف.
وثمة اعتبارات شخصية أيضاً؛ فسيغلوفيتش يعتقد أن الانتخابات القادمة قد تكون فرصته الأخيرة للوصول إلى منصب وزير الأمن القومي. ضمن قائمة كبيرة مثل “معا”، ربما تكون المنافسة على الحقائب الوزارية شرسة. في حين أن حزب “راعم” إذا أصبح شريكاً في الائتلاف، فستكون قوة مساومته أعلى بكثير.
مع ذلك، يبقى السؤال المطروح حول ما إذا كان يئير لبيد ونفتالي بينيت هما شريكين في خطوة شرعنة “راعم”، أم أنهما متفاجئان ويحاولان إفشالها. في كل الحالات، تظهر هذه الخطوة المثيرة للاهتمام، التي أثارت ردود فعل واسعة في أوساط اليسار – وسط، بأن “راعم” يسعى إلى إعادة تعريفه كحزب مدني وجذب أشخاص من خارج الوسط العربي، في حين يكتشف سيغلوفيتش مساراً غير تقليدي قد يعطيه تأثيراً أكبر.
في هذه المرحلة، من السابق لأوانه تحديد إذا كانت هذه الخطوة ستغير خارطة القوائم جذرياً، لكنها قد تغير قواعد اللعب في الوسط – يسار. ربما تأتي الأصوات التي سيجذبها سيغلوفيتش بشكل رئيس من حزب “يوجد مستقبل” وحزب “الديمقراطيين” أو ممن خاب أملهم من الائتلاف الثلاثي (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي و”تاعل”)، التي لم تتمكن من جسر الهوة حول توزيع المقاعد. إذا تمت هذه الخطوة بالفعل فستكون من أهم الخطوات السياسية في الحملة الانتخابية القادمة.
جاكي خوري
هآرتس 3/8/2026

