تبلغ الأمم، شأنها شأن الأفراد، أحيانا معالم بارزة لا تدعو إلى الاحتفال فحسب، بل إلى المراجعة الذاتية أيضا.
مع احتفال الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لتأسيسها، يتأمل الأمريكيون في المُثل التي شكلت الجمهورية والمؤسسات التي حافظت عليها.
ولم يكن لأي منها تأثير أكثر ديمومة من المسيحية. ومع ذلك، لم يعد السؤال يقتصر على كيفية تشكيل المسيحية لأمريكا، فالسؤال الأكثر إلحاحا هو: أي نوع من المسيحية سيشكل الـ250 عاما القادمة لأمريكا؟
في أفضل حالاتها، عززت المسيحية التجربة الأمريكية من خلال غرس المسؤولية المدنية والدفاع عن كرامة الإنسان وإلهام الإصلاح الاجتماعي. وفي أسوأ حالاتها، منحت شرعية دينية للإقصاء وعدم المساواة والسعي وراء الهيمنة السياسية
الكنيسة التي أسهمت في بناء أمريكا
إن تاريخ المسيحية في أمريكا ليس قصة انتصار متواصل ولا انحدار حتمي، بل هو قصة توتر مستمر بين السلطة الأخلاقية والسلطة السياسية، بين إيمان يسعى إلى تغيير المجتمع من خلال الخدمة، وإيمان يميل إلى تشكيله من خلال السلطة.
في أفضل حالاتها، عززت المسيحية التجربة الأمريكية من خلال غرس المسؤولية المدنية والدفاع عن كرامة الإنسان وإلهام الإصلاح الاجتماعي.
وفي أسوأ حالاتها، منحت شرعية دينية للإقصاء وعدم المساواة والسعي وراء الهيمنة السياسية.
يذكرنا ستيفن نيكولز بأن المسيحية لم تصل إلى أمريكا كتقليد واحد، بل كفسيفساء من المجتمعات؛ فقد جلب البيوريتانيون والأنجليكان والكويكرز والمعمدانيون والمشيخيون والكاثوليك والعديد من المجموعات الأخرى قناعات لاهوتية متميزة ورؤى متنافسة للمجتمع.
ولذلك، كانت المسيحية الأمريكية منذ بداياتها متعددة الأوجه وليست أحادية. لم تكن هناك أبدا كنيسة أمريكية واحدة، بل كنائس عديدة، تسهم كل منها بطرق مختلفة في الحياة الدينية والمدنية للأمة، وأصبح هذا التنوع من أعظم نقاط قوة أمريكا.
وعلى عكس معظم دول أوروبا- حيث كانت الكنائس مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأنظمة الملكية الراسخة- نشأت الولايات المتحدة في ظل إطار دستوري يحظر إقامة دين وطني مع حماية حرية ممارسة العقيدة في الوقت نفسه.
وأدى ذلك إلى خلق مشهد ديني نابض بالحياة بشكل غير معتاد، ازدهرت فيه الطوائف، وتكاثرت الجمعيات التطوعية، وأصبحت المؤسسات الدينية متجذرة بعمق في المجتمع المدني.
على عكس معظم دول أوروبا- حيث كانت الكنائس مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأنظمة الملكية الراسخة- نشأت الولايات المتحدة في ظل إطار دستوري يحظر إقامة دين وطني مع حماية حرية ممارسة العقيدة في الوقت نفسه
أنشأت الكنائس مدارس وجامعات ومستشفيات ومؤسسات خيرية، ونظمت حركات مناهضة للعبودية وحملات لمحو الأمية ودور الأيتام والجمعيات المجتمعية.
وبالنسبة إلى أجيال من المهاجرين، لم توفر الجماعات الدينية التوجيه الروحي فحسب، بل قدمت أيضا التعليم والشعور بالانتماء والدعم العملي.
وبذلك، غرست عادات العمل التطوعي والمشاركة المدنية والقيادة المحلية التي ساعدت في تعزيز الحياة الديمقراطية.
ومع ذلك، فهذا ليس سوى جزء من القصة، فالكنائس نفسها التي أعلنت التشبث بكرامة كل إنسان غالبا ما فشلت في تجسيد تلك القناعة بشكل متسق. فقد وقف المسيحيون في مواقف متعارضة تجاه قضايا الرق، والفصل العنصري، والهجرة والحقوق المدنية.
واستُشهد بالكتاب المقدس سواء للدفاع عن الظلم أو لتفكيكه، ولذلك، لم ترتكز السلطة الأخلاقية للمسيحية أبدا على عقائدها فحسب، بل على النزاهة التي مورست بها تلك العقائد.
كما أسهمت “حركات النهضة الكبرى” في إحداث تحول إضافي في العلاقة بين المسيحية والمجتمع الأمريكي.
أدت موجات النهضة الدينية هذه إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على القيادة الدينية، وشددت على المسؤولية الشخصية وألهمت حركات من أجل إلغاء الرق وإصلاح السجون والتعليم العام والرعاية الاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، عززت أيضا الاعتقاد بأن مصير أمريكا الوطني يحمل غرضا إلهيا فريدا.
وقد أسدت القناعة بأن الأمة تحتل مكانة خاصة في تدبير الله، خدمة عامة رائعة، لكنها زرعت أيضا إغراء دائما بالخلط بين الهوية الوطنية والغرض المقدس.
يوضح جورج مارسدن أن هذا التوتر ازداد حدة خلال القرن الـ20، فقد كان صعود الأصولية البروتستانتية أكثر بكثير من مجرد خلاف حول داروين أو نقد الكتاب المقدس.
ألهمت القناعة بأن الأمة تحتل مكانة خاصة في تدبير الله، خدمة عامة رائعة، لكنها زرعت أيضا إغراء دائما بالخلط بين الهوية الوطنية والغرض المقدس
بل كان يعكس صراعا أوسع نطاقا حول التغيير الثقافي والسلطة الدينية ومكانة المسيحية في مجتمع يزداد حداثة.
ومع تداخل الخلافات اللاهوتية مع النقاشات حول التعليم والأخلاق العامة والهوية الوطنية، أصبح الدين يؤثر بشكل متزايد على السياسة، بينما بدأت السياسة، بدورها، في إعادة تشكيل الدين.
اليوم، كما يلاحظ روبرت ب. جونز، تشهد أمريكا تحولا عميقا آخر، لقد انقضت الحقبة التي احتلت فيها المسيحية البروتستانتية البيضاء مركز الحياة العامة الأمريكية بلا منازع.
فقد غيرت الهجرة المشهد الديني للبلاد، حيث جلبت مجتمعات مسيحية نابضة بالحياة من أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، مع توسيع وجود المسلمين واليهود والهندوس والبوذيين والسيخ والعديد من الفئات الأخرى. وفي الوقت نفسه، يعلن عدد متزايد من الأمريكيين عدم انتمائهم لأي دين على الإطلاق.
هذا التحول الديمغرافي لا يشير إلى نهاية المسيحية، بل يشير إلى نهاية الهيمنة الثقافية المسيحية.
بالنسبة لبعض المؤمنين، يمثل هذا فرصة لاستعادة الدعوة الأعمق للكتاب المقدس: أن نخدم بدلا من أن نسيطر، وأن نقنع بدلا من أن نجبر، وأن نمارس السلطة الأخلاقية بدلا من السعي وراء الامتيازات السياسية.
أما بالنسبة لآخرين، فقد ولّد هذا قلقا عميقا بشأن الهوية الوطنية والتغيير الثقافي، وتقع هذه الاستجابات المتنافسة الآن في صميم النقاشات السياسية والدينية في أمريكا.
ومع ذلك، فإن التاريخ يقدم درسا مهما: لم تمارس المسيحية أكبر تأثير لها عندما حكمت الأمة، بل عندما خدمتها، في الواقع، هذا درس يتجاوز المسيحية نفسها.
عبر الحضارات والتقاليد الدينية، ازدهرت المجتمعات الدينية بشكل أكثر أصالة عندما ألهمت المجتمع من خلال المصداقية الأخلاقية بدلا من السيطرة السياسية.
وبينما تدخل أمريكا ربع الألفية التالي من عمرها، فإن التحدي لا يكمن فيما إذا كانت المسيحية ستستمر في تشكيل الأمة أم لا.
فهي ستفعل ذلك بلا شك، لكن السؤال هو: هل ستفعل ذلك من خلال السعي للسيطرة على الجمهورية، أم من خلال تجديد الخيال الأخلاقي الذي لطالما اعتمدت عليه الجمهورية؟
عبر الحضارات والتقاليد الدينية، ازدهرت المجتمعات الدينية بشكل أكثر أصالة عندما ألهمت المجتمع من خلال المصداقية الأخلاقية بدلا من السيطرة السياسية
القومية المسيحية وإغراء السلطة
إذا كان القرنان الأولان من عمر أمريكا قد تشكلا من خلال تفاوض مستمر بين المسيحية والديمقراطية، فإن العقود الأولى من القرن الـ21 قد أوصلت تلك العلاقة إلى مفترق طرق حاسم.
لم يعد السؤال المركزي هو ما إذا كان ينبغي للمسيحيين المشاركة في الحياة العامة، فقد شاركوا دائما وينبغي لهم ذلك. بل السؤال هو ما إذا كانت المسيحية تمارس نفوذها من خلال السلطة الأخلاقية أم تسعى إلى الشرعية من خلال السلطة السياسية؟
يجادل أندرو وايتهيد وصموئيل بيري بأن هذا التمييز يكمن في صميم ما يصفانه بالقومية المسيحية.
في كتابهما “إعادة أمريكا إلى الرب”، لا يعرفانها على أنها المسيحية نفسها، ولا ببساطة على أنها المحافظة السياسية، بل كإطار ثقافي يدمج فهما معينا للمسيحية مع الهوية الوطنية الأمريكية.
والكتاب يصور الولايات المتحدة على أنها مسيحية في جوهرها، ويرى أن استعادة تلك الهوية أمر ضروري لمستقبل الأمة.
لا يوجد أي مشكلة في أن يطرح المسيحيون قناعاتهم في النقاش الديمقراطي، وينطبق الأمر نفسه على المسلمين واليهود والهندوس والبوذيين والإنسانيين أو المواطنين الذين لا ينتمون إلى أي دين.
فالديمقراطية تعتمد على مساهمة الناس بقناعاتهم الأخلاقية الأعمق في الساحة العامة، وتختلف القومية المسيحية لأنها تتجاوز المشاركة لتصل إلى فرض القواعد.
فهي لا تسعى فقط إلى التأثير على الحياة العامة، بل إلى تحديد من ينتمي إليها حقا.
يظهر وايتهيد وبيري أن الالتزام بالقومية المسيحية غالبا ما يتنبأ بالمواقف السياسية بشكل أقوى من حضور الكنيسة أو المعتقدات اللاهوتية.
وهذا يساعد في تفسير سبب تحول النقاشات حول الهجرة والأسلحة النارية والتعليم والقضايا الجنسانية إلى نقاشات مشحونة عاطفيا إلى هذا الحد.
ورغم أن هذه القضايا تبدو غير مترابطة، إلا أنها غالبا ما ترتبط برواية مشتركة: وهي أن التدهور الأخلاقي لأمريكا ينبع من التخلي عن هويتها المسيحية.
فحماية الحدود والدفاع عن حق حيازة الأسلحة والحفاظ على الهياكل الأسرية التقليدية وإعادة تشكيل التعليم، أصبحت تعبيرات لا تقتصر على التفضيل السياسي فحسب، بل تمتد لتعبر عن الولاء الديني والوطني.
قد يكون من السهل استبعاد هذه القناعات باعتبارها مجرد قناعات أيديولوجية، لكن ذلك سيكون خطأ، فهي متجذرة أيضا في تجارب حقيقية من الاضطرابات الثقافية.
وقد شهد العديد من الأمريكيين تدهور المؤسسات المحلية واتساع الفجوة الاقتصادية وتزايد التشرذم الاجتماعي والتحول السريع في المعايير الثقافية الراسخة منذ زمن طويل. وبالنسبة للكثيرين، توفر القومية المسيحية اليقين في مجتمع غالبا ما يبدو غريبا، ولا تكمن جاذبيتها في اللاهوت فحسب، بل في الوعد بالانتماء.
لا يوجد أي مشكلة في أن يطرح المسيحيون قناعاتهم في النقاش الديمقراطي، وينطبق الأمر نفسه على المسلمين واليهود والهندوس والبوذيين والإنسانيين أو المواطنين الذين لا ينتمون إلى أي دين
ومع ذلك، يطرح التاريخ سؤالا أعمق: هل يمكن للسلطة السياسية أن توفر يوما التجديد الأخلاقي الذي تسعى إليه المجتمعات الدينية؟
يجيب شين كلايبورن وكريس هاو بـ”لا” قاطعة.
في كتابهما “يسوع للرئاسة”، يجادلان بأن المسيحية تفقد صوتها النبوي كلما أصبحت أسيرة للسلطة السياسية.
فقد رفض يسوع باستمرار إغراءات الهيمنة، واختار بدلا من ذلك طريق التواضع والخدمة والتضامن مع الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع. لم تغير الكنيسة الأولى العالم لأنها كانت تسيطر على الحكومات، بل لأنها جسدت طريقة مختلفة جذريا للعيش معا.
حجتهم ليست أن على المسيحيين الانسحاب من الحياة العامة، بل إن الكنيسة مدعوة لأن تكون ضمير المجتمع، لا حاكمته.
فالمؤسسات السياسية تتطلب حتما التنازلات، وتوجد الجماعات الدينية لتذكيرها بأن بعض الحقائق الأخلاقية لا يجب التنازل عنها أبدا. وكلما ارتبطت الكنيسة بحركة سياسية، مهما كان نجاح تلك الحركة، فإنها تخاطر باستبدال الشهادة النبوية بالولاء الحزبي.
وقد أثبت التاريخ ذلك مرارا وتكرارا، فقد مارست المسيحية أكبر تأثير أخلاقي لها عندما تحدت السلطة بدلا من امتلاكها، سواء من خلال دعاة إلغاء الرق الذين واجهوا العبودية، أو الكنائس التي دعمت حركة الحقوق المدنية، أو الجماعات الكنسية التي لا حصر لها التي كانت تخدم الفقراء بهدوء، وترحب باللاجئين، وتدافع عن كرامة أولئك الذين تجاهلهم المجتمع.
وعلى العكس من ذلك، كلما سعت الكنائس إلى السيادة السياسية، غالبا ما اكتشفت أن النفوذ المكتسب من خلال السلطة يصاحبه فقدان المصداقية بسبب التحزب.
هذه ليست معضلة تقتصر على المسيحية وحدها، فعلى مر التاريخ، أنتجت كل تقاليد دينية كبرى تقريبا حركات دمجت الهوية المقدسة مع السلطة السياسية.
وسواء تم التعبير عن ذلك من خلال القومية المسيحية أو القومية الهندوسية أو القومية الدينية اليهودية أو القومية البوذية أو الحركات الإسلامية، فإن النمط متشابه بشكل لافت للنظر.
المؤسسات السياسية تتطلب حتما التنازلات، وتوجد الجماعات الدينية لتذكيرها بأن بعض الحقائق الأخلاقية لا يجب التنازل عنها أبدا. وكلما ارتبطت الكنيسة بحركة سياسية، مهما كان نجاح تلك الحركة، فإنها تخاطر باستبدال الشهادة النبوية بالولاء الحزبي
فما أن تصبح الهوية الدينية مقياسا للانتماء الوطني، لا ينظر إلى أولئك الذين يؤمنون بمعتقدات مختلفة -أو لا يؤمنون على الإطلاق- ببساطة على أنهم مواطنون يشاركوننا نفس القومية ولكن بمعتقدات مختلفة، بل ينظر إليهم على أنهم غرباء عن القصة الوطنية.
ويمتد هذا الدرس إلى ما هو أبعد بكثير من الولايات المتحدة، فنادرا ما تفقد الأديان نفوذها الأخلاقي بسبب تخليها عن السلطة السياسية، بل تفقدها عندما تتخلى عن مصداقيتها الأخلاقية.
ولهذا السبب لا ينبغي فهم التعددية الديمقراطية على أنها عدو الإيمان الديني، بل العكس تماما.
فالتعددية تحمي حرية كل مجتمع ديني في الازدهار دون إكراه، وتحث كل مجتمع على الإقناع من خلال نزاهة شهادته بدلا من سلطة الدولة. الحرية الدينية التي تحمي مجتمع المرء وحده ليست حرية دينية على الإطلاق، فهي لا تدوم إلا عندما تحمي الجميع على قدم المساواة.
لذلك تواجه أمريكا سؤالا يتجاوز السياسة الانتخابية بكثير، إنه سؤال يتعلق بطبيعة كل من الديمقراطية والإيمان.
هل يمكن للمسيحية أن تستمر في تشكيل الخيال الأخلاقي للأمة دون السعي إلى تحديد هويتها السياسية؟ هل يمكن للمؤمنين استعادة الثقة في القوة التحويلية للخدمة بدلا من التأثير المؤقت للهيمنة السياسية؟
ستحدد الإجابة ما هو أكثر بكثير من مجرد مستقبل المسيحية الأمريكية، فهي ستساعد في تحديد ما إذا كان الفصل التالي من تاريخ الأمة سيسترشد بالوعد الدستوري الذي لطالما ميز التجربة الأمريكية: أن مواطني كل دين -أو من لا دين لهم- يمكنهم المساهمة على قدم المساواة في الصالح العام تحت حماية المؤسسات الديمقراطية نفسها.
ولعل هذه هي أعمق مفارقة تواجه الكنيسة الأمريكية اليوم، فغالبا ما مارست المسيحية أكبر تأثير لها ليس عندما كانت أقرب ما تكون إلى السلطة السياسية، بل عندما كانت أبعد ما تكون عنها، حرة بما يكفي لتحدي كل حكومة وكل أيديولوجية وكل جيل، من خلال المطالب الخالدة للعدالة والرحمة والكرامة الإنسانية.
هل يمكن للمسيحية أن تستمر في تشكيل الخيال الأخلاقي للأمة دون السعي إلى تحديد هويتها السياسية؟ هل يمكن للمؤمنين استعادة الثقة في القوة التحويلية للخدمة بدلا من التأثير المؤقت للهيمنة السياسية؟
وقت الحساب
مع احتفال الولايات المتحدة بمرور 250 عاما على استقلالها، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت المسيحية ستستمر في تشكيل الحياة العامة الأمريكية، فهي ستفعل ذلك بلا شك.
السؤال الأكثر إلحاحا هو: كيف؟ هل ستسعى المسيحية إلى التأثير من خلال السلطة السياسية، أم أنها ستستعيد السلطة الأخلاقية التي جعلتها إحدى القوى الأكثر ديمومة للتجديد في أمريكا؟
يقول جيم واليس إن هذا الاختيار يمثل أحد التحديات الأخلاقية الحاسمة في عصرنا.
في كتابه “الكتاب المقدس الأبيض الزائف”، يؤكد واليس أن أكبر تهديد للمسيحية لا يأتي من العلمانية أو التنوع الديني أو تراجع أعداد المصلين في الكنائس. بل يأتي من الخلط بين الكتاب المقدس والأيديولوجية السياسية. فعندما تصبح العقيدة أسيرة للهوية الحزبية، تتوقف عن تحدي السلطة وتبدأ في تقديسها.
بدلا من ذلك، يدعو واليس إلى “سياسة محبة الجار”، إنها عبارة ذات جذور كتابية عميقة وديمقراطية راسخة في آن واحد، فهي تطلب من المؤمنين ألا يقيسوا الحياة السياسية بمن يفوز في الانتخابات، بل بكيفية معاملة المجتمعات لأفرادها الأكثر ضعفا. وهي تحول السؤال من “من ينتمي؟” إلى “من تم نسيانه؟”، ومن “كيف نحافظ على السلطة؟” إلى “كيف نحمي كرامة الإنسان؟”.
تستحضر هذه الرؤية المسيحية في أفضل حالاتها، إنها تستحضر دعاة إلغاء الرق الذين تحدوا العبودية رغم المعارضة الساحقة.
وتستحضر الكنائس التي دعمت حركة الحقوق المدنية، والجماعات التي رحبت باللاجئين، والمجتمعات التي اعتنت بالفقراء، والمؤمنين الذين دافعوا عن الحرية الدينية ليس فقط لأنفسهم بل ولأولئك الذين يختلف إيمانهم عن إيمانهم.
مرارا وتكرارا، مارست المسيحية أكبر تأثير لها ليس بالوقوف أقرب ما يمكن إلى السلطة السياسية، بل بالوقوف إلى جانب أولئك الذين تتجاهلهم السلطة بسهولة شديدة.
مرارا وتكرارا، مارست المسيحية أكبر تأثير لها ليس بالوقوف أقرب ما يمكن إلى السلطة السياسية، بل بالوقوف إلى جانب أولئك الذين تتجاهلهم السلطة بسهولة شديدة
هذا التمييز مهم لأن كل ديمقراطية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على قول الحقيقة في وجه السلطة، والصحافة الحرة تخدم هذا الغرض، وكذلك المحاكم المستقلة.
وتساهم الجامعات ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات المجتمعية جميعها في المساءلة الديمقراطية، وللأديان مكانة مميزة ضمن هذا المشهد، ولكن فقط عندما تظل حرة بما يكفي لتحدي الحكومات بدلا من أن تصبح تابعة لها.
يقدم التاريخ درسا متسقا بشكل لافت، فكلما أصبحت الأديان امتدادا للسلطة السياسية، تضاءلت كل من الديمقراطية والدين، وتفقد الحكومات ناقدا أخلاقيا مهما، بينما تستبدل المجتمعات الدينية تدريجيا الشهادة النبوية بالامتيازات السياسية، ونادرا ما تكون النتيجة ديمقراطية أقوى أو إيمانا أقوى.
وعلى العكس من ذلك، عندما تختار الأديان الخدمة بدلا من الهيمنة، تصبح من بين أعظم حلفاء الديمقراطية.
فهي تذكر المجتمعات بأن كرامة الإنسان لا يمكن أن تحددها العرقية أو الانتماء السياسي أو العرق أو الجنس أو الدين أو الوضع الاقتصادي.
فهي تزرع التعاطف في المجتمعات المنقسمة، وتلهم التضامن عبر الاختلافات، وتغذي الخيال الأخلاقي الضروري للمصالحة بعد الصراع والتعاون أثناء الأزمات.
يمتد هذا الدرس إلى ما هو أبعد بكثير من المسيحية، فقد صارعت كل تقاليد دينية كبرى إغراء الخلط بين القناعة الروحية والسيادة السياسية.
وسواء تم التعبير عن ذلك من خلال القومية المسيحية أو الحركات الإسلامية أو القومية الهندوسية أو القومية البوذية أو القومية الدينية اليهودية، فإن النمط متشابه بشكل لافت للنظر.
بمجرد أن تصبح الهوية الدينية مقياسا للانتماء الوطني، ينظر إلى التعددية على أنها ضعف وليس قوة، ويصبح أولئك الذين يؤمنون بمعتقدات مختلفة غرباء في مجتمعاتهم.
عندما تختار الأديان الخدمة بدلا من الهيمنة، تصبح من بين أعظم حلفاء الديمقراطية. فهي تذكر المجتمعات بأن كرامة الإنسان لا يمكن أن تحددها العرقية أو الانتماء السياسي أو العرق أو الجنس أو الدين أو الوضع الاقتصادي
ومع ذلك، يظهر التاريخ أيضا جانبا أكثر تفاؤلا، فالأديان تزدهر بشكل أكثر أصالة ليس عندما تحكم الأمم، بل عندما تساعد الأمم على تذكر ضميرها.
لم تكن أكبر مساهمة لأمريكا في العالم الحديث أبدا الطموح إلى أن تصبح أمة مسيحية، بل كانت الرؤية الدستورية التي أوجدت مساحة للمسيحيين واليهود والمسلمين والهندوس والبوذيين والسيخ والتقاليد الأصلية والإنسانيين ومن لا ينتمون إلى أي دين، ليعيشوا معا تحت حماية القانون نفسه.
هذا الإنجاز ليس تنازلا للدين، بل هو أحد الشروط التي تسمح للأديان بالازدهار بحرية وبشكل أصيل، الحرية الدينية التي تحمي مجموعة كل فرد لوحده ليست حرية دينية على الإطلاق، فهي لا تدوم إلا عندما تحمي الجميع.
ولعل هذا هو الدرس الأعمق المستفاد من رحلة المسيحية التي استمرت 250 عاما جنبا إلى جنب مع الجمهورية الأمريكية.
لم تترك الكنيسة بصمتها الأكثر ديمومة من خلال إملاء أوامرها على الحكومات، بل من خلال تشكيل الضمائر، ولم تكن من خلال تحديد الهوية الوطنية، بل من خلال توسيع الخيال الأخلاقي للأمة.
ونادرا ما قيمت أعظم إنجازاتها بالانتصارات الانتخابية أو النجاحات التشريعية، بل قيمت بالمدارس التي أنشئت والمستشفيات التي بنيت والغرباء الذين تم الترحيب بهم والظلم الذي تم مواجهته والحياة التي تغيرت.
وبينما تدخل أمريكا ربع الألفية التالي من عمرها، فإن التحدي الذي يواجه المسيحية ليس ما إذا كانت قادرة على استعادة هيمنتها السياسية. بل ما إذا كانت قادرة على استعادة الثقة في القيادة دون امتلاك السلطة.
لم تترك الكنيسة بصمتها الأكثر ديمومة من خلال إملاء أوامرها على الحكومات، بل من خلال تشكيل الضمائر، ولم تكن من خلال تحديد الهوية الوطنية، بل من خلال توسيع الخيال الأخلاقي للأمة
فالديانات نادرا ما تفقد نفوذها بسبب تخليها عن السلطة السياسية، بل تفقدها عندما تتخلى عن مصداقيتها الأخلاقية.
هذا درس للمسيحية، وهو درس بنفس القدر لكل دين يسعى إلى المساهمة في الحياة العامة.
لن يعتمد مستقبل الديمقراطية الأمريكية على انتصار دين على آخر، ولا على غياب الدين عن الحياة العامة.
بل سيعتمد على ما إذا كان المواطنون من كل الأديان -ومن لا دين لهم- سيستمرون في الدفاع عن الحريات الدستورية التي مكنت أمة متنوعة بشكل استثنائي من العيش معا على الرغم من الاختلافات العميقة.
فالديمقراطية لا تستمر بالتوحيد، بل بالالتزام المشترك بكرامة كل شخص على قدم المساواة.
وإذا كان للمسيحية أن تساهم في تشكيل الـ250 عاما القادمة لأمريكا، فربما لن تكون مساهمتها الأكثر إخلاصا هي التساؤل عن كيفية جعل الأمة أكثر مسيحية، بل عن كيفية أن يصبح المسيحيون أكثر إخلاصا لتعاليم من يزعمون اتباعه.
لأنه -وكما ناديتُ مرارا- عندما تُؤثر الأديان الخدمة على السلطة والرحمة على الخوف والتواضع على الاستعلاء والصالح العام على المكاسب الحزبية، فإنها تتحول إلى الوضع الذي لطالما كانت قادرة دوما على أن تكون عليه: منابع راسخة للضمير والشجاعة والأمل، ليس فقط للمجتمعات التي تلتقي في دور عبادتها، بل أيضا للديمقراطيات التي تزدهر عمليا لأن هذه الدور تظل حرة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


تعليقات