بيروت – لا يشبه الانتظار أي شكل آخر من أشكال الفقد، ففي الغياب المعتاد، يأتي الحزن بعد معرفة الحقيقة، أما في حالات المفقودين، فتظل العائلات معلّقة بين احتمالين متناقضين؛ عودة قد تعيد ترتيب الحياة من جديد، أو خبر مؤلم يضع حدا لأسابيع طويلة من الأسئلة.
في 15 يونيو/حزيران 2026، ومع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، توجه علي قشمر (39 عاما)، برفقة عدد من رفاقه، إلى القرى الجنوبية لتفقّد منازلهم ومعاينة الأضرار التي خلفتها الحرب، كانت العودة إلى المكان الذي غادروه خلال التصعيد تحمل شيئًا من الطمأنينة، لكنها انتهت باختفاء أربعة شبان.
تستعيد شقيقته رانيا قشمر الساعات الأخيرة قبل اختفائه بتفاصيل دقيقة، وتقول للجزيرة نت: عند الثانية والنصف بعد الظهر، اتصل علي بالعائلة وأخبرهم أنه بخير، وأن المنزل تعرض لأضرار جزئية، ثم واصل طريقه، وبعد نحو ساعتين، عند الرابعة والربع عصرًا، سُجلت آخر إشارة لهاتفه المحمول، منذ تلك اللحظة، انقطع الاتصال به تماما، وبدأت رحلة بحث لم تنتهِ حتى اليوم.
لم يكن علي وحده في هذا المصير، ففي المنطقة نفسها، فقد الاتصال بثلاثة شبان آخرين هم محمد حسن (34 عاما) من بلدة عيترون، وهادي الرقة (18 عاما) من الشهابية، وجواد بزي (18 عاما) من بنت جبيل.

آخر خيوط الحكاية
بعد أيام طويلة من البحث والمناشدات، بدأت خيوط القضية تظهر من منطقة وادي السلوقي، حيث تركزت عمليات البحث عن الشبان الأربعة.
كان جواد بزي وهادي الرقة قد واصلا طريقهما جنوبا على متن دراجة نارية بعدما افترقا عن رفيقيهما، وظل جواد على تواصل مع عائلته وأصدقائه حتى الساعات الأخيرة، فيما أرسل هادي صورا ومقاطع مصورة من الطريق قبل أن ينقطع أثرهما.
أما علي قشمر، فكان يستقل دراجة نارية برفقة صديقه محمد حسن، متوجهين إلى الجنوب للاطمئنان إلى بلدتيهما، قبل أن ينقطع الاتصال بهما أيضًا.
وبقي مصير الشبان الأربعة مجهولا حتى 3 يوليو/تموز، حين عثرت فرق البحث على محمد حسن مصابا بجروح في منطقة وادي السلوقي، بعد تتبع آثار دماء قادت إلى المكان، إثر بلاغ عن وجود بقايا بشرية قرب دراجتين ناريتين متضررتين.
لكن العثور على أحد المفقودين لم يحمل الإجابة التي انتظرتها العائلات، فقد بقي مصير علي وهادي وجواد مجهولا، كما بقيت هوية الأشلاء التي عُثر عليها موضع انتظار لنتائج فحوص الحمض النووي.

انتظار بلا إجابات
بالنسبة إلى عائلة قشمر، لم تكن أصعب اللحظات لحظة الاختفاء فحسب بل حالة الغموض التي رافقته، تقول رانيا إن العائلة عاشت أياما قاسية عندما اعتقدت أن الأشلاء التي عُثر عليها قد تكون لعلي، فأقامت مجلس عزاء على أمل وضع حدّ لانتظار طال أمده، لكن سرعان ما تبيّن أن المقتنيات التي عُثر عليها لا تعود إليه، لتجد الأسرة نفسها مجددا عند نقطة الصفر، معلّقة بين غياب لا تفسير له وأمل لا ينطفئ.
وتضيف أن العائلة تتابع الملف مع الجهات الأمنية، خصوصًا مخابرات الجنوب في تبنين، وأن المعلومات التي وصلت إليها تشير إلى العثور على الشاب الجريح وأشلاء يُعتقد أنها تعود إلى شخصين، من دون الوصول إلى أي دليل يقود إلى علي أو إلى مقتنياته الشخصية.
فلا هاتفه المحمول ظهر، ولا ساعته، ولا دراجته النارية التي كان يستقلها يوم اختفائه، كما لم تسهم إفادة محمد حسن، بحسب رانيا، في إنهاء الغموض، إذ بقيت تفاصيل ما جرى غير كافية لتكوين رواية واضحة حول الساعات الأخيرة قبل اختفاء علي.
وترى أن التحرك الرسمي لم يكن بمستوى خطورة القضية، مشيرة إلى أن العائلات اضطرت إلى تنظيم وقفات احتجاجية وإطلاق مناشدات متكررة للمطالبة بمتابعة جدية تكشف مصير أبنائها.
وتختصر رانيا حكاية عائلتها بجملة واحدة: “مهما كانت الحقيقة، نحن مستعدون لتقبّلها، لكننا نريد أن نعرف أين علي”.
ملف يتجاوز أربعة شبان
قصة علي ورفاقه الثلاثة ليست حالة منفصلة، بل أعادت فتح ملف المفقودين والمحتجزين اللبنانيين خلال الحرب الأخيرة.
ويرى رئيس مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب والممثل الدائم للمركز لدى مجلس حقوق الإنسان في جنيف محمد صفا أن ما جرى لا يمكن التعامل معه كحادثة فردية، بل يندرج ضمن سياق أوسع رافق العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.
ويؤكد صفا، في حديثه للجزيرة نت، أن احتجاز مدنيين لبنانيين أو اعتقال مصابين خلال العمليات العسكرية، ولا سيما في فترات وقف إطلاق النار، يشكل انتهاكا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، فضلًا عن كونه مساسًا بالسيادة اللبنانية.
وبحسبه، وثّق مركز الخيام عشرات الحالات المرتبطة بالاعتقال والاحتجاز منذ اندلاع الحرب، بينها مدنيون أوقفوا من بلداتهم الحدودية أو بعد إصابتهم، في وقت لا تزال أوضاع بعضهم مجهولة بسبب عدم السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بالوصول إليهم أو معرفة أماكن وجودهم.
ويشير صفا إلى أن المركز يتابع كذلك ملفات مفقودين لا يزال مصيرهم مجهولا، مؤكدًا أن غياب المعلومات الرسمية يزيد معاناة العائلات ويفتح الباب أمام الشائعات والتكهنات.

مطالب إنسانية
لا تنتهي معاناة الأهالي عند لحظة فقدان الاتصال بل تبدأ بعدها رحلة طويلة بين المؤسسات الأمنية والرسمية، حيث تتحول كل معلومة إلى نافذة أمل، قبل أن تغلق أحيانًا أمامهم من جديد.
وتؤكد عائلات المفقودين أن مطلبها الأساسي ليس سياسيا ولا تفاوضيا بل إنسانيا يتمثل في معرفة مصير أبنائها، سواء كانوا أحياء أم أمواتا.
ويشير حقوقيون للجزيرة نت يتابعون الملف إلى أن معرفة مصير المفقودين تعد من الحقوق الأساسية خلال النزاعات المسلحة، إذ تلزم القوانين الدولية أطراف النزاع بالكشف عن مصير المحتجزين والمفقودين، وتسهيل وصول الجهات الإنسانية المختصة إليهم.
وفي محاولة لدفع الملف إلى الواجهة الدولية، تحرك مركز الخيام باتجاه المؤسسات الحقوقية الدولية، حيث زار وفد منه مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف، وسلم مذكرة تطالب بتكثيف الجهود لكشف مصير المفقودين والمحتجزين اللبنانيين.
كما دعا المركز إلى الضغط من أجل السماح بزيارة المحتجزين والتواصل مع عائلاتهم، إضافة إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للنظر في الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين اللبنانيين والتحقيق في ملفات المفقودين خلال الحرب.

ذاكرة معلّقة
في منزل عائلة قشمر في بيروت، ما زالت الصور الأخيرة لعلي محفوظة كما تركها في ذلك اليوم، صورة لقبر والده في بلدة ديركيفا، وأخرى لمنزله الذي أصابه القصف الإسرائيلي، ثم صور التقطها خلال طريقه نحو بلدة بيت ياحون، بينها خيول تعبر الطريق بهدوء، قبل أن ينقطع كل شيء.
بقي كل شيء تقريبا في مكانه منذ خرج علي في ذلك اليوم، وكل يوم يمر لا يحمل معه نهاية للانتظار بل يضيف سؤالا جديدا إلى قائمة الأسئلة القديمة.
بين غياب المعلومات من الجانب الإسرائيلي، وعجز الدولة اللبنانية عن تقديم إجابات حاسمة، تجد عائلات المفقودين نفسها عالقة في مساحة رمادية؛ لا تملك يقين الوفاة لتبدأ الحداد، ولا تملك دليل الحياة لتتمسك بالأمل.
