حين هبطت الطائرة التي أقلّت محمد صلاح إلى وجهته الجديدة، لم يكن الفرعون المصري يحطّ الرحال في مدينة عادية على هامش الخريطة الأوروبية، بل في واحدة من أعرق حواضر الشرق التركي، مدينة عمرها ثمانية وعشرون قرناً، تجلس بين جبلٍ وبحر، وتُعرف في الأدبيات المحلية بـ«عروس البحر الأسود»، وبحسب ما أوردته التقارير التركية، فإن استقبال الجماهير لصلاح في طرابزون كان أقرب إلى احتفال شعبي منه إلى مراسم تعاقد.
حكاية تبدأ قبل الميلاد
تقع طرابزون في أقصى شمال شرق تركيا على ساحل البحر الأسود، وتشكّل مركز الولاية التي تحمل اسمها، على واحدة من أقدم عُقد طريق الحرير التاريخي، فكانت لقرون بوابة تجارية تربط الأناضول بإيران جنوباً وبلاد القوقاز شمالاً.

وتشير الموسوعات التاريخية إلى أن المدينة عُمّرت في القرن الثامن قبل الميلاد تحت اسم «ترابيزوس»، وظلّت يونانية الطابع حتى خضعت للحكم الروماني سنة 65 قبل الميلاد، قبل أن تصبح في العصور الوسطى عاصمةً لإمبراطورية طرابزون، ثم تدخل في كنف الدولة العثمانية في القرن الخامس عشر، حيث تولّى إدارتها الأمير سليم الأول قبل اعتلائه العرش.
ولا تزال طبقات هذا التاريخ المتراكم ماثلة في أزقة المدينة القديمة ومعالمها التي تستقطب آلاف الزوار سنوياً.
بين الجبل والموج.. جغرافيا لا تشبه إسطنبول
يتجاوز عدد سكان طرابزون 800 ألف نسمة بحسب إحصاءات معهد الإحصاء التركي، يتوزعون بين مركز حضري مكتظ وقرى جبلية ووديان خضراء تحيط بالمدينة من كل جانب.

أما المناخ فهو النقيض التام لما اعتاده صلاح في ملاعب الجنوب، بين الأمطار الغزيرة على مدار العام، ورطوبة دافئة صيفاً، وشتاء بارد رطب تتساقط فيه الثلوج بين ديسمبر ومارس مع درجات حرارة تهبط إلى نحو خمس درجات مئوية.
هذه التركيبة بين الرطوبة والانحدارات الجبلية منحت الإقليم خضرته الشهيرة، وجعلت من مروجه المرتفعة قِبلةً سياحية بحد ذاتها.
حين تصبح المدينة متحفاً مفتوحاً
يتصدر دير سوميلا قائمة معالم المدينة، وهو دير منحوت في الصخر يعود تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي ويُعدّ من أقدم الأديرة المسيحية في العالم.

دير سوميلا
ولا يقل عنه شهرة مسجد آيا صوفيا الذي بُني عام 1461 على تلة مطلّة على البحر، وقلعة طرابزون التي تقوم على أسس بيزنطية وتمتد من مرتفعات المدينة حتى الشاطئ، إضافة إلى قصر أتاتورك الأبيض بطبقاته الثلاث، ومتحف المدينة الذي يضم تحفاً من العصر البيزنطي، وحي البازار شمال شارع ماراش بمتاجره المتخصصة في الحلي والتحف.

مسجد آيا صوفيا وقلعة طرابزون
مائدة تحكي هوية المكان
لا تُفهم طرابزون من دون مائدتها، إذ ان سمك الأنشوجة المعروف محلياً بـ«الهامسي» هو بطل المطبخ بلا منازع، يُقدَّم مقلياً ومشوياً وحتى محشواً داخل الفطائر، بينما يحتل «الكويماك»، وهو طبق الذرة والجبن والزبدة الذي يُقدَّم ساخناً، مكانة الطقس اليومي أكثر من كونه وجبة.

سمك الهامسي وطبق الكويماك
ويوصف المجتمع المحلي بطابعه الودود وتمسّكه الشديد بالتراث الشعبي، وهي سمة يراهن عليها النادي في احتضان نجمه الجديد.
النادي الذي كسر احتكار إسطنبول
على المستوى الرياضي، تختصر المدينة نفسها في طرابزون سبور، النادي الذي تأسس عام 1967 ويحمل لقب «عاصفة البحر الأسود»، وفي موسم 1975-1976 كتب الفريق اسمه في تاريخ الكرة التركية بوصفه أول نادٍ من خارج إسطنبول يحصد لقب الدوري، منهياً احتكاراً امتد عقوداً لجالاطة سراي وفنربخشة وبشكتاش.
ويملك النادي في خزائنه سبعة ألقاب للدوري وعشرة لكل من كأس تركيا والسوبر المحلي، ويلعب باللونين العنابي والأزرق على ملعبه المفتتح عام 2016 والمسمى تكريماً للحارس والمدرب الأسطورة شنول جونيش، والمعروف تجارياً بـ«بابارا بارك».

ملعب بابارا بارك
ولن يكون صلاح أول مصري يرتدي القميص العنابي، سبقه إليه محمود حسن تريزيجيه وسيد معوض وأيمن عبدالعزيز، لكن الفارق هذه المرة أن المدينة التي اعتادت أن تكون استثناءً في خريطة الكرة التركية، تستعد لأن تصبح، ولو لموسمين، إحدى أكثر مدن أوروبا حضوراً في نشرات الأخبار العربية.

