لندن ـ”القدس العربي”: تساءل استاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، ستيفن ام وولت عن سبب استمرار أمريكا في خسارة الحروب. وجاء بمقاله الذي نشرته مجلة “فورين بوليسي” أن لواشنطن تاريخ طويل في خوض حروب خاسرة ولأهداف خاطئة. وأضاف قائلا أنك لو كنت أمريكيا، فربما سئمت من خسارة الحروب و “أنا كذلك، وقد تتساءل: “لماذا يتكرر هذا الأمر؟” إنه لغز محير ومحبط: فرغم أن الولايات المتحدة كانت بلا منازع أقوى دولة في العالم لعقود طويلة، بجيش لا مثيل له من حيث الميزانية والقدرات، إلا أن سجلها في التاريخ الحديث كان في معظمه هزائم. ويشمل ذلك الحرب الحالية مع إيران، التي لم تحقق أيا من أهداف إدارة ترامب المعلنة، ومن المرجح أن تنتهي بإيران في موقع استراتيجي أقوى بكثير”.
وأكد الكاتب أن قائمة الهزائم الأمريكية طويلة، فقد انتهت الحرب الكورية بالتعادل، أما حرب فيتنام فكانت هزيمة نكراء، وكذلك حرب العراق عام 2003 و”الحرب الأبدية” في أفغانستان ولم تكن حرب كوسوفو عام 1999 انتصارا، إذ حصلت صربيا في نهاية الحرب على شروط أفضل مما عرض عليها قبل اندلاعها. وباستثناء احتلال جزيرة غرينادا عام 1983 وهي عملية لا يعتد بها، فقد كان النصر الواضح الوحيد للولايات المتحدة على مدى هذه العقود هو حرب الخليج عام 1991.
أمريكا وحلفاؤها، نعم انتصروا في الحرب الباردة، يشير الكاتب، لكنه يقول إنه استثناء يؤكد القاعدة لأنها كانت “حربا” لم تتضمن أبدا مواجهة عسكرية مع الإتحاد السوفييتي السابق.
وتساءل مرة أخرى عن سبب أداء أمريكا السيء جدا في الحروب السابقة؟ وبحسبه فلم يكن السبب هو نقص في الأموال، نظرا لحجم ميزانية الدفاع الأمريكية واستعداد الكونغرس للتصويت على طلبات تمويل إضافية كلما طلب منه ذلك. كما لا يعود السبب إلى نقص في القدرات العسكرية، فالولايات المتحدة لا تزال بارعة في تدمير الأهداف، حتى على مسافات بعيدة عن أراضيها. وربما تراجعت هذه القدرة بعض الشيء في الوقت الراهن، نظرا لتبديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث مخزون البلاد من الصواريخ المتطورة في حربهما الطائشة على إيران، لكن هذا العامل لا يفسر سبب استحالة تحقيق النصر. كما أن السبب ليس مرتبطا بغياب الشجاعة في القوات المسلحة الأمريكية، التي لا تزال على استعداد لتعريض نفسها للخطر، وبالتأكيد ليس السبب هو افتقار القوات الأمريكية إلى ما يكفي من العزيمة، مهما كان رأي وزير الحرب (الذي يخسر الحرب).
ووفق الكاتب فبعيدا عن هذه الأسباب، فما يقف وراء استمرار خسارة الولايات المتحدة للحروب هي أسباب استراتيجية وبنيوية، حيث تخوض الولايات المتحدة حروبا اختيارية تجمع بين مصالح أمريكية متواضعة وأهداف طموحة للغاية، مثل محاولة إعادة تشكيل دولة أخرى على صورتها. ونتيجة لذلك، يميل الخصوم إلى أن يكونوا أكثر تصميما من واشنطن، لأن لديهم ما يخسروه أكثر بكثير. فأبناء هذا البلد يقاتلون من أجل البقاء أو على الأقل الحفاظ على استقلالهم وسيادتهم، بينما في معظم الحالات، تقاتل الولايات المتحدة لتحقيق أهداف قد تكون مرغوبة، ولكنها في نهاية المطاف أقل أهمية. وفي ظل هذه الظروف، من المتوقع أن يكون الخصوم أكثر استعدادا لتقديم التضحيات من الولايات المتحدة. وكما هو الحال في معظم الصراعات غير المتكافئة، إن لم يكن جميعها، لا يحقق الطرف الأضعف بانتصار حاسم في ساحة المعركة، بل بتجنب الخسارة وانتظار أن تدرك القوة الأقوى أن ضخ المزيد من الجنود والأموال في مستنقع لا يستحق العناء.
وتظهر هذه المعادلة البسيطة في الحرب الكورية التي كانت تدافع فيها الولايات المتحدة عن مصالح مهمة في شبه الجزيرة، وكان من الممكن أن يؤثر انتصار الشيوعيين هناك بشكل كبير على الحرب الباردة في آسيا. لكن الصين رأت في جهود الولايات المتحدة لتوحيد شبه الجزيرة تهديدا وجوديا، وضحت في نهاية المطاف بما لا يقل عن 200,000 جنديا (وربما أكثر بكثير) لمنع حدوث ذلك. وبعد ثلاث سنوات مريرة من القتال، كانت النتيجة في جوهرها تعادلا.
وفي فيتنام، واجهت الولايات المتحدة النزعة القومية الشرسة للحركة الشيوعية الفيتنامية، وهي قوة سبق لها أن هزمت الاستعمار الفرنسي وأثبتت أنه من المستحيل إخماد نارها. ورغم أن القادة الأمريكيين تمكنوا لفترة من إقناع الرأي العام بأن منع انتصار الشيوعيين كان مصلحة حيوية، وذلك في الغالب من خلال استغلال مخاوف مبالغ فيها من انهيار النظام وفقدان المصداقية، إلا أن الرأي العام انقلب في النهاية ضد الحرب التي بدت بلا نهاية، مما أجبر الولايات المتحدة على الانسحاب لصالح هانوي.
ونفس النتيجة المؤسفة حصلت في العراق وأفغانستان. فقد كان صدام حسين مثيرًا للمشاكل بشكل متكرر، لكن تم احتواؤه بحلول عام 2003 وفككت برامج أسلحته ولم يكن له أي دور على الإطلاق في هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، لذلك، لم يكن إسقاطه مصلحة حيوية للولايات المتحدة، بغض النظر عما قد يقوله المحافظون الجدد الأمريكيون الذين كانوا يحلمون بتحويل الشرق الأوسط إلى بحر من الديمقراطيات الموالية لأمريكا. وكان التخلص من صدام حسين سهلا، مما يؤكد ضآلة الخطر الذي كان يشكله فعليا، لكن سرعان ما واجهت قوات الاحتلال تمردا قويا معارضا للهيمنة الأجنبية، مدعوما من إيران وسوريا، اللتين لم ترغبا في أن تكونا الهدف التالي لواشنطن. وهكذا تحولت حرب طموحة أخرى إلى كارثة مكلفة.
وفي أفغانستان، أدى مزيج من الجهل والمثالية وقلة الأهمية الاستراتيجية إلى فشل المجهود الحربي الأمريكي هناك. وكان لدى واشنطن مبرر وجيه لملاحقة أسامة بن لادن وجماعة طالبان، لكن البقاء هناك لتحويل أفغانستان إلى ديمقراطية على النمط الغربي أثار مقاومة شرسة من مجتمع استحق بجدارة لقب “مقبرة الإمبراطوريات”. في النهاية، كان اهتمام المتمردين منصبا على إخراج الولايات المتحدة من أفغانستان أكثر من اهتمام البلاد بهزيمتهم، إن كان ذلك ممكنا أصلا. وفي نهاية المطاف، قام ترامب، خلال ولايته الأولى، ثم الرئيس الأمريكي جو بايدن، بإنهاء صراع كان لفترة طويلة مجرد تمرين عبثي.
ومن بين حروب الولايات المتحدة، تعتبر حرب الخليج الأولى، استثناء واضحا، مع أنها تظل حربا اختيارية، فقد كان بإمكان الولايات المتحدة السماح للعراق الاحتفاظ بالكويت دون مواجهة أي تهديدات مباشرة لأمنها. لكن مع مرور الوقت، كان من الممكن أن تغير سيطرة العراق على الكويت وعائداتها النفطية ميزان القوى في الخليج بطرق مقلقة. وكانت إدارة جورج بوش الأب تخشى من أن السماح لعدوان من هذا النوع دون معارضة قد يرسي سابقة خطيرة. ولكن أهم ما تظهر الحرب تلك هو التوافق بين أهداف الولايات المتحدة ومصالحها.
وطردت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق من الكويت وقضت على قوته العسكرية وفرضت عمليات تفتيش صارمة من الأمم المتحدة أدت إلى تفكيك برامج أسلحته. وحسب الكاتب فقد أحسن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب صنعا عندما قرر عدم “الذهاب إلى بغداد” وإسقاط النظام، لأن ذلك كان سيتجاوز التفويض الممنوح من مجلس الأمن الدولي. وكان سيجبر الولايات المتحدة على احتلال مجتمع منقسم وساخط وإدارته. ولأن أهداف الولايات المتحدة كانت متوافقة مع مصالحها، ولأن بوش أنهى الحرب فورا، ينظر إلى تلك الحرب بأنها انتصار باهر.
ويرى وولت أنه ليس من السهل على قوة عظمى أن توافق بين مصالحها وأهدافها. فنظرا لقوة الولايات المتحدة الهائلة وأمنها المطلق، لن تشهد صراعات كثيرة تهدد مصالح حيوية حقيقية، ولا تضحيات كبيرة، كتلك التي قدمها الأمريكيون خلال الحرب العالمية الثانية، ويسهل تبريرها.
وفي الوقت نفسه، تساعد قوة الولايات المتحدة وتفوقها التكنولوجي على التدخل في شتى المجالات ويمكنها أن تقنع صانعي السياسات بأن هذه الصراعات ستكون سهلة الانتصار.
وفي النهاية، فالمشكلة ليست في ضعف الولايات المتحدة على خوض الحروب، بل لأنها غالبا ما تخوض حروبا خاطئة لأهداف خاطئة. وهو ما يقوض ثقة الحلفاء في حكمة الولايات المتحدة ويجعل من الصعب عليها منافسة خصوم حقيقيين كالصين.
ومرة أخرى، تساءل الكاتب عن سبب تكرار الهزائم حتى في ظل رئيس ادعى معارضته للحروب الأبدية، وأصر على أنه “مرشح السلام”؟ ويجيب أن الأسباب كثيرة، منها إحجام النخبة السياسية الخارجية الأمريكية المستمر عن محاسبة نفسها والتعلم من أخطاء الماضي.
وخلص إلى أنه في هذه المرحلة، يتعين على الأمريكيين التعود على خيبات الأمل، طالما ظل التردد في الاعتراف بالأخطاء وتحمل المسؤولية منتشرا وعلى نطاقٍ واسعٍ في أوساط السياسة الخارجية، بمن فيهم قطاع كبير من مؤيدي ترامب.

