استقطبت روما اهتمامًا نسبيًا خلال اليومين الماضيين بسبب المفاوضات التي تستضيفها بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، مع التشديد على أن
استقطبت روما اهتمامًا نسبيًا خلال اليومين الماضيين بسبب المفاوضات التي تستضيفها بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، مع التشديد على أن النظر إليها لم يكن باعتبارها مجرد نقاش حول ترتيبات أمنية أو آلية تنفيذ اتفاق محدد. فهي تجري في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها ملفات متعددة: مستقبل الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، دور الدولة اللبنانية، موقع القوى المرتبطة بإيران، ومسار العلاقة بين واشنطن وطهران، قلق الدول الخليجية…. لذلك، يبدو أن نظرة كل فريق إلى ما يجري في روما مختلفة مع أهداف تتجاوز العنوان المباشر للمحادثات، وتقترب أكثر من القدرة على تحقيق ما هو غير معلن.
من وجهة نظر إسرائيلية، لا يبدو أن الملف اللبناني منفصل عن الصراع الإقليمي الأوسع، وخصوصًاً عن العلاقة مع إيران والقوى المرتبطة بها، ومستقبل غزة والضفة الغربية. فبعد المواجهات الأخيرة، ترى إسرائيل أنه لا يمكنها العودة الى الوضع الذي كان سائدًا قبل العام 2023، وإلا ستكون قد أعلنت بشكل غير مباشر خسارتها وعدم تمكنها من تحقيق أي مكسب في لبنان، كما أن أي تنازل في هذه المرحلة سيضع القيادة الإسرائيلية في وضع حرج لتبرير انسحاب ينظر إليه على أنه تراجع بعد عملية عسكرية مكلفة.
لهذا السبب، تراها تسعى إلى تشعب أهدافها في المفاوضات. فمن جهة، تريد تأمين مناطقها، وبالأخص تلك القريبة من الحدود، ومن جهة أخرى، تريد الحفاظ على أوراق قوة ميدانية تسمح لها بالتفاوض (ان لم نقل فرض ما تشاء) من موقع أفضل. وهنا تظهر إحدى النقاط الأكثر حساسية في المشهد الحالي: استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، وتثبيت بعض المواقع أو خطوط الانتشار، ما يفسره البعض على أنه مجرد إجراء أمني مؤقت، بينما التجارب تشير إلى أنه محاولة لصناعة واقع جديد يصبح لاحقًاً جزءًاً من أي تفاوض. ويزداد هذا القلق مع وجود أصوات داخل إسرائيل تتحدث عن توسيع النفوذ الجغرافي أو استغلال الظروف العسكرية الحالية لتغيير المعادلات على الأرض. صحيح أن هذه الطروحات لا تعني بالضرورة وجود قرار رسمي (بعد) بضم أراض أو تغيير الحدود، لكن تجاهلها تمامًاً سيكون غير واقعي، خصوصًاً عندما تترافق مع خطوات ميدانية قد تؤثر في شكل التسوية المقبلة.
أما لبنان فيدخل المفاوضات من موقع مختلف، كونه “الحلقة الأضعف” ولا يملك الأدوات العسكرية التي تسمح له بفرض شروطه، ولذلك يعتمد بدرجة كبيرة على المسار السياسي والدبلوماسي وعلى الدعم الدولي. الهدف اللبناني الأساسي هو منع تحول الوجود العسكري الإسرائيلي الحالي إلى أمر واقع دائم، واستعادة السيطرة الكاملة على أراضيه، وهو يحاول الاستفادة من اللحظة الحالية، حيث يوجد اهتمام دولي أكبر بالملف، لكن التحدي هو عامل الوقت. فكلما طال أمد الانتشار العسكري الحالي، زادت المخاوف من أن يصبح الوضع الموقت نقطة انطلاق لتفاوض جديد بدلًا من أن يكون مرحلة انتقالية نحو الانسحاب.
أميركيًا، لا يمكن فهم دور “العم سام” في لبنان بمعزل عن التطورات الإقليمية، بعد انتقال المواجهة مع إيران من مرحلة عسكرية إلى مرحلة تفاوضية تهدف إلى احتواء التصعيد. ولا تنظر واشنطن إلى لبنان فقط باعتباره ملفًاً حدوديًاً بين دولتين، بل كجزء من توازن إقليمي أكبر. وهي تجد نفسها أمام معادلة صعبة: عدم الرغبة في استمرار وضع عسكري مفتوح يهدد الاستقرار الإقليمي، ولا الظهور وكأنها تفرض على إسرائيل التراجع عن مكاسب حصلت عليها. لذلك قد تسعى الإدارة الأميركية إلى صيغة تجمع بين ثلاثة عناصر: ضمانات أمنية لإسرائيل، ترتيبات تحفظ ماء الوجه للبنان، وإنجاز سياسي يمكن تقديمه باعتباره نجاحًاً دبلوماسيًاً في إدارة أزمة معقدة.
التحدي الأساسي في مفاوضات روما لا يكمن فقط في تباين المطالب بين الأطراف، بل في اختلاف رؤيتها للمرحلة التي ستلي أي اتفاق محتمل. فالمخاوف لا ترتبط فقط بإمكان فشل المفاوضات، بل أيضًا باحتمال تحولها إلى إطار لإدارة الأزمة بدلًا من إنهائها، بما يسمح باستمرار الوقائع الميدانية في التأثير على شكل التسوية المقبلة. والمعركة الحقيقية لا تدور فقط حول الحدود الجنوبية للبنان، بل حول من سيتمكن من تحديد قواعد المرحلة المقبلة: إسرائيل عبر ما تفرضه على الأرض، لبنان عبر قدرته على استثمار الدعم السياسي، أم الولايات المتحدة عبر سعيها إلى ربط الملف اللبناني بالتفاهمات الإقليمية الأوسع؟

