الناصرة- “القدس العربي”: انتقدت أوساط إسرائيلية الاتفاق الجاري الحديث عنه حول وقف الحرب في غزة، وشككت بنوع السلاح الذي ستحتفظ به حركة “حماس” فعليا، وقالت إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرضه على حكومة الاحتلال.
وضمن تصريحات إعلامية لا تخلو من حسابات انتخابية، حمل رئيس حزب “يشار”، الوزير وقائد الجيش سابقا وعضو الكنيست غادي آيزنكوت، على المرحلة الثانية من الاتفاق المعلن من قبل ترامب حول القطاع، وقال إن كل اتفاق يمتحن بامتحان واحد فقط، وهو: تدمير “حماس” أو تفكيك سلاحها، أي مدى تحقيق الحرب هدفها، وعدا ذلك فهو “فشل مطلق”.
وتابع: “إن مجرد عدم عرض نتنياهو الاتفاق على الجمهور يثير علامات سؤال كبيرة. هل إسرائيل شريكة فيه، أم أنه فرض على إسرائيل دون تدخل منها؟”.
وجاءت هذه التصريحات على خلفية إعلان ترامب عن “اتفاق تاريخي” حول نزع سلاح “حماس”، مقابل نفي إسرائيلي رسمي قاطع يقول إن موضوع غزة لم يطرح على أجندة لقاء نتنياهو وترامب الأسبوع الفائت.
ويصور آيزنكوت صورة مقلقة بعيون إسرائيلية، للحالة الأمنية داخل القطاع، قائلا: “مرت حوالي ثلاث سنوات منذ السابع من أكتوبر، و”حماس” تجدد قوتها مع عدد مشابه لما كان لديها في السادس من أكتوبر. عدا استعادة المخطوفين، لم تتحقق أهداف الحرب، رغم المكاسب العسكرية والأثمان الثقيلة التي سددناها. كابينت السابع من أكتوبر، كابينت العمى، لن يقوى على الهرب للأبد”.
وفيما يستمر الصمت الرسمي في إسرائيل على إعلان ترامب، نقل موقع “واينت” الإخباري عن مصدر سياسي إسرائيلي كبير قوله إن إسرائيل تطالب بتفكيك تام لسلاح “حماس”، بما يشمل إخراج السلاح من القطاع وتنظيفه، كشرط مسبق لكل المسيرة.
كما قال المصدر المذكور إن وثيقة النقاط الخمس عشرة الجاري الحديث عنها لا تتضمن جوابا لطلب إسرائيل، التي قدمت ملاحظاتها وتحفظاتها بشأنها في مذكرة إلى توني بلير.
وحاليا، يواصل جيش الاحتلال استهداف القطاع وقتل المدنيين يوميا.
واعتبر القائد الأسبق للاستخبارات العسكرية، الجنرال في الاحتياط عاموس مالكا، في حديث للإذاعة العبرية الرسمية، اليوم الأحد، أن الاتفاق سيئ جدا لإسرائيل، لأنه يبقي “حماس” مع سلاحها، على غرار الاتفاق مع حزب الله.
وقال مالكا إن على جيش الاحتلال مواصلة هجماته حتى يتم توقيع اتفاق مناسب لإسرائيل.
الاتفاق لم يكن مفاجئا
أما مدير وحدة الدراسات في الاستخبارات العسكرية سابقا، الباحث في جامعة تل أبيب، الدكتور ميخائيل ميليشتاين، فقال إن اقتراح “مجلس السلام” بشأن التسوية في غزة لم يكن مفاجئا.
ويعلل ميليشتاين ذلك ضمن مقال بصحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم، بالقول إنه في الوقت الذي كانت إسرائيل منشغلة بالعمليات العسكرية في إيران ولبنان، وبالصراعات الداخلية، عملت قطر وتركيا ومصر على إعداد خطة لمستقبل القطاع، تتمحور حول تأليف حكومة فلسطينية من التكنوقراط بدلا من حركة “حماس”، وبلورة صيغة غامضة بشأن نزع سلاح الحركة.
وقال إن الشخص الذي أحدث الاختراق، كما هي الحال دائما، هو دونالد ترامب، الذي يعتبر السردية والصورة الإعلامية أهم من الحقيقة: “ترامب هو الذي سيقرر ما إذا كان نزع سلاح حماس، بغض النظر عن الواقع، تماما مثلما أعلن في تشرين الأول/أكتوبر الماضي أن الحركة وافقت على نزع سلاحها، رغم أن الأخيرة نفت ذلك علنا، أو مثلما صرح بأن إيران هزمت في المواجهة الأخيرة، وأنها تتوسل التوصل إلى اتفاق، وأن نظامها أصبح أكثر اعتدالا”.
ويزعم ميليشتاين أن حركة “حماس” ترى أن الاتفاق ينطوي على مزايا أكثر من العيوب، لذلك ترحب به. فالحركة التي وجهت إلى إسرائيل أقسى ضربة في تاريخها، والتي تعهد نتنياهو بالقضاء عليها، نجت فعليا بعد ثلاثة أعوام من حرب ضارية، وظلت القوة المهيمنة في قطاع غزة.
كما يقول إنها لا تعتقد أن التسوية تهدد مكانتها أو مصالحها، ووفقا لتقديرها ستتمكن من الحفاظ على قوتها العسكرية ونفوذها المدني تحت الغطاء الشكلي لحكومة التكنوقراط، أي من خلال تبني نموذج يشبه نموذج حزب الله، إذ توجد قوة فعلية إلى جانب سلطة رسمية ضعيفة.
ويضيف: “فيما يتعلق بالسلاح، تؤكد الحركة أن مطلب نزع السلاح يقتصر على الأسلحة الثقيلة فقط، والتي لم يعد في حيازتها سوى القليل منها أساسا، وأن العملية ستكون بالتدريج، وتشمل، من بين أمور أخرى، إمكان الاحتفاظ بالسلاح الشخصي، فضلا عن إجراءات غير واضحة تماما، مثل تخزين الأسلحة أو إيداعها، من دون اشتراط واضح بأن يبدأ تنفيذ التسوية فقط بعد نزع السلاح، وفق ما يطالب به نتنياهو باستمرار. علاوة على ذلك، تطالب “حماس” بانسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من غزة، حتى من دون نزع سلاحها، كذلك تشدد على ضرورة ألا تكون إسرائيل طرفا في معالجة هذه القضية”.
وميليشتاين، الذي يقول منذ سنوات إن إسرائيل لا تملك استراتيجية، يخلص إلى القول إنه في ضوء هذه الأوضاع، من الضروري تحديد المصالح الحيوية لإسرائيل في غزة وفق مبدأ “الردع”، وعلى رأسها: الحفاظ على حرية العمل ضد أي تهديدات ناشئة في القطاع، وإقامة منطقة واسعة بمحاذاة الحدود يحظر فيها أي نشاط من أي نوع، وبشكل خاص تمركز أي جهة معادية، والاحتفاظ بحق النقض (الفيتو) على الجهات الأجنبية التي ستدخل إلى غزة، والأهم من ذلك ضمان ألا يكون محور فيلادلفيا تحت سيطرة حركة حماس”.
اتفاق مليء بالثغرات
وينضم إلى هذه الانتقادات مراقبون إسرائيليون كثر، وإن كانت دوافعهم تختلط أحيانا بين المصالح العليا والمعركة الدائرة على السلطة في إسرائيل.
ويقول محرر الشؤون الاستخباراتية في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، الدكتور رونين بيرغمان، إنه على الورق، يعد اتفاق “حماس” حدثا تاريخيا، لكن فقط في ظل السيناريو المتفائل.
ونوه إلى أن الوثيقة، التي تبدأ بالإجراءات التي ينبغي على إسرائيل اتخاذها، لا تفرض على “حماس” مطالب حاسمة، بينما تفرض مطالب ثقيلة على نتنياهو، ولا تضمن عدم استعادة “حماس” قوتها.
ويقول إنه إذا قارناها بالشروط التي وضعها نتنياهو نفسه، يصعب وصف هذا الوضع بالنصر.
ويعود للمقارنة التاريخية: “من بين جميع أنحاء العالم، اختيرت العلمين مركزا للمفاوضات التي اختتمت الخطوط العريضة لـ”خارطة الطريق” لإنهاء الحرب في غزة. المكان الذي شهد إحدى المعارك الحاسمة في الحرب العالمية الثانية، شهد هذه المرة صراعا من نوع مختلف: ليس حول نقل الدبابات في الصحراء، بل حول الفرق بين “التسريح” و”تفكيك الأسلحة” و”التخزين”. ليس حول من سيطر على أي تلة، بل حول من سينقل بضعة أحجار تشير إلى الخط الأصفر بضع مئات من الأمتار إلى الوراء”.
ويرى بيرغمان أن خارطة الطريق هذه تمثل هزيمة لنتنياهو ومغامرة، بل مقامرة، للجميع.
ويتابع: “الجائزة المحتملة عظيمة: غزة بلا سيطرة حماس، وانسحاب إسرائيلي دون العودة إلى الوضع الذي كان سائدا قبل الحرب، وتحالف أمريكي عربي قد ينجح حيث فشلت القوة وحدها. لكن في الوقت الراهن، لا يزال هذا خيارا لتحقيق إنجاز، وليس الإنجاز نفسه. فالثغرات كبيرة، والجدول الزمني غير واضح، وآلية التحقق لم تختبر، والأسلحة لا تزال في غزة. وإذا تبين أن حماس قد خزنت بعض الصواريخ وأخفت الباقي، وأن إسرائيل قد انسحبت، وأن القوة الدولية قدمت تقريرا مثيرا للقلق، فبإمكان مجلس السلام أن يعاود الانعقاد في العلمين. فالمكان، في نهاية المطاف، معتاد على المعارك الحاسمة”.
ويتفق معه المحلل العسكري أمير باشالوم، في موقع “زمان إسرائيل”، إذ يرى أن من شأن هذا الاتفاق تمكين “حماس” من البقاء مع سلاحها.

