
رحم الله أستاذى الأديب الكبير فتحى غانم، الذى علَّمنى أن مهنة الصحفى تُشبه وظيفة القاضى، غير أن بينهما فرقًا جوهريًا؛ فالصحفى يُحقق الوقائع ويعرضها على الرأى العام، أما القاضى فهو وحده من له حق إصدار الأحكام، لكننا نعيش اليوم عصرًا اختلطت فيه الأدوار، وتحولت وسائل التواصل الاجتماعى إلى محاكم بلا قضاة.
لا أتحدث عن «دارك ويب»، وما أدراك ما دارك ويب، الذى تختبئ خلفه تجارة المخدرات والجنس والسلاح والقتل والعصابات، ومخاطر أمنية جسيمة تهدد كل من يتوغل فى دهاليزه.
ولا أتحدث عن قضية «القهوجى»، الذى قتل أحد الأطفال واستأصل أعضاءه داخل شقة مستأجرة عبر بث مرئى، وأصدرت محكمة جنايات شبرا الخيمة حكمًا نهائيًا بإعدامه شنقًا.
ولا عن شبكة حنين والأدهم، التى استدرجت وابتزت فتيات صغيرات، وأوقعت بهن فى شبكات الجنس والدعارة مقابل المال.
فهذه «جرائم سوداء»، ينال مرتكبوها العقاب الرادع من ساحات القضاء، لكننى أتحدث عن «جرائم رمادية»، يمارسها البعض كل لحظة، القذف والسب، وإثارة الفتن، وتمزيق المجتمعات، والتشكيك فى مؤسسات الدول، وتتحول «اللايكات» و»التريندات» و»الهاشتاج»، إلى أسلحة اغتيال معنوى.
وفقدت الرقابة التقليدية كثيرًا من فاعليتها فى «غابات السوشيال ميديا»، فى انتظار قانون يحقق التوازن بين حماية حرية التعبير، وصيانة حقوق الناس، ويحاسب من يحوِّل المنصات إلى ساحات للابتزاز والتحريض.
لم يعد الهاتف المحمول والكمبيوتر مجرد وسائل اتصال، وتحولا إلى أدوات للتأثير والتوجيه والاستقطاب، ويقع بعض الشباب فى فخ «التريند» وإغراء المال، فيندفعون إلى ما يجذب المشاهدات، دون إدراك لمخاطر استغلال هذه الرغبات فى صناعة محتوى مجرّم.
وما يحدث ليس ظاهرة مصرية فقط، ولعبت وسائل التواصل الاجتماعى فى دول مختلفة، أدوارًا تحريضية فى أحداث سياسية كبرى، وحشدت الجماهير، وسرّعت وتيرة الأحداث، وإثارة الفوضى والاضطرابات.
أما مصر، حفظها الله، فقد خاضت تجربة قاسية، واستطاعت أن تتجاوز مرحلة بالغة الصعوبة، وتحافظ على مؤسساتها، فى مواجهة تحديات غير مسبوقة، ووقف «الوعى المجتمعى» حائط صد لتجاوز تلك المرحلة، فالدول تسقط بفساد عقول أبنائها قبل السلاح.
إننى أتحدث عن «المحتوى الأسود» الذى يمارسه البعض بصورة شبه يومية، والقائم على الطعن فى الأعراض، وإطلاق الاتهامات، والإثارة الرخيصة، وكسر كل القيم الأخلاقية، وأصبحت معارك هذا العصر تدور على الشاشات، والهواتف المحمولة والمنشورات ومقاطع الفيديو والتعليقات، بقليل من الحقائق وكثير من الأكاذيب.
والمجتمعات الرشيدة لا تحمى نفسها باعتبار التكنولوجيا «رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه»، وإنما بحسن استخدامها، وتهيئة الإنسان القادر على التمييز بين حرية الرأى وفوضى الإساءة، وبالقانون الرادع، والعدالة الناجزة، حتى تظل الحقيقة أقوى من كل حملات التضليل.

