الجزائر ـ “القدس العربي”: أعادت تصريحات باحث جزائري في البيداغوجيا، يُعد من أبرز المدافعين عن الإبقاء على اللغة الفرنسية في التعليم، إشعال واحد من أكثر الملفات حساسية في الجزائر، بعدما خرج النقاش من إطاره التربوي إلى سجال سياسي وإيديولوجي مفتوح، اصطف على طرفيه سياسيون ومثقفون من تيارات إسلامية وعلمانية، أعادوا إلى الواجهة الخلاف القديم حول هوية المدرسة الجزائرية ومكانة اللغة الفرنسية والفلسفة داخل المنظومة التعليمية.
وخلال استضافته في برنامج على قناة “الخبر”، عبّر أحمد تيسة وهو مستشار سابق في وزارة التربية، عن تخوفه من أن يكون تأخير تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة ابتدائي خطوة أولى نحو تقليص حضورها مستقبلا في المدرسة الجزائرية، معتبرا أن الفرنسية لا ينبغي النظر إليها فقط من زاوية ماضيها الاستعماري، بل باعتبارها لغة لعبت دورا في تكوين الدولة الجزائرية بعد الاستقلال في الإدارة والتعليم وفي بناء الثقافة الجزائرية والأدب، مستحضرا المقولة التي وصفتها بأنها “غنيمة حرب”.
كما انتقد قرار وزارة التربية التي يقودها محمد الصغير سعداوي، إعفاء بعض الشعب من اجتياز اختبار الفلسفة في امتحان البكالوريا، معتبرا أن هذه المادة تمثل إحدى أهم أدوات تكوين العقل النقدي، وأن المدرسة مطالبة بتعزيز حضورها بدل تقليصه، متسائلا عن سبب إعفاء مواد قائمة على الحفظ مثل التربية الإسلامية من هذا الحذف.
ولم تمر ساعات حتى تحولت هذه التصريحات إلى مادة لنقاش محتدم على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد اعتبر الوزير السابق والقيادي في حركة مجتمع السلم الهاشمي جعبوب ذي التوجه الإسلامي، ما طرحه تيسة يتجاوز مجرد رأي بيداغوجي ليعكس، حسبه، دفاعا قديما عن استمرار هيمنة الفرنسية داخل المدرسة الجزائرية. وذكّر جعبوب بكتاب أصدره تيسة سنة 2016 بعنوان “استحالة استئصال تعليم اللغة الفرنسية في الجزائر”، كما أشار إلى تكريمه من طرف مؤسسة فرنسية سنة 2018 تقديرا لما وصفه بدفاعه عن اللغة الفرنسية.
ورفض جعبوب توصيف قرار تأخير تدريس الفرنسية بأنه قرار إيديولوجي، معتبرا أن الأمر يتعلق بخيار سيادي يدخل ضمن صلاحيات الدولة في رسم سياستها اللغوية والتربوية. وذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن تقليص حضور الفرنسية يندرج ضمن استكمال استعادة السيادة الوطنية والثقافية، مؤكدا أن الجزائر ليست ملزمة بالإبقاء على الامتياز الذي ظلت تتمتع به لغة المستعمر السابق داخل المدرسة والإدارة، وأن الانفتاح على اللغات الأجنبية لا يعني استمرار منح الفرنسية مكانة خاصة.
ولم يقتصر رد جعبوب على ملف اللغة، بل شمل أيضا ما طرحه تيسة بشأن مراجعة بعض مضامين التاريخ، معتبرا أن مثل هذه الطروحات تمس الثوابت الوطنية، كما انتقد حديثه عن الفلسفة والتربية الإسلامية، معتبرا أن المدرسة الجزائرية مطالبة بحماية مقومات الهوية الوطنية لا إعادة صياغتها وفق تصورات مستوردة.
في المقابل، وجد أحمد تيسة دعما سياسيا واضحا من عثمان معزوز رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ذي التوجه العلماني الذي قرأ القضية من زاوية مختلفة تماما. فبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن الفرنسية في مواجهة الإنكليزية، ولا بالفلسفة في مواجهة التربية الإسلامية، وإنما بطبيعة المشروع المجتمعي الذي تعكسه المدرسة الجزائرية.
واعتبر معزوز أن كل إصلاح تربوي يعبر في النهاية عن رؤية معينة للمجتمع، معتبرا أن التراجع المتزامن لمكانة الفلسفة والفرنسية ليس مجرد تعديل في البرامج، وإنما يعكس توجها نحو تقليص المساحات التي يتشكل فيها التفكير النقدي والانفتاح الفكري. وأعلن تضامنه مع أحمد تيسة، معتبرا أن الحملة التي تعرض لها استهدفت أفكاره أكثر مما ناقشت مضمونها.
وبين موقفي جعبوب ومعزوز، يبرز اختلاف عميق في قراءة الإصلاحات الجارية. فبينما يرى الأول أن المدرسة مطالبة باستكمال مسار التحرر من الإرث اللغوي للاستعمار الفرنسي، يعتبر الثاني أن المدرسة ينبغي أن تتجه نحو مزيد من التعدد اللغوي، لأن اللغات بالنسبة إليه لا تتنافس وإنما تتكامل، وأن إضعاف أي منها قد ينعكس على جودة التكوين الجامعي، خاصة وأن عددا كبيرا من التخصصات العلمية ما يزال يدرس بالفرنسية.
ولا يختلف الأمر حول الفلسفة كثيرا عن الخلاف حول الفرنسية. فأنصار الإبقاء على حضورها يرون أنها مادة تؤسس للعقل النقدي وتدرب التلميذ على النقاش والاستدلال، بينما يرى المدافعون عن الإصلاحات الجديدة أن إعادة توزيع المواد والحجم الساعي يدخل ضمن مراجعة شاملة للبرامج، ولا ينبغي اختزاله في صراع بين المواد أو في مواجهة بين الفلسفة والتربية الإسلامية، كما حاول بعض المتابعين تصويره.
وعاد أحمد تيسة لاحقا للرد على الانتقادات، نافيا أن يكون قد دعا إلى حذف مادة التربية الإسلامية، مع التأكيد أن ما اقترحه هو تعزيز حضور الفلسفة حتى ولو استلزم الأمر تقليص الحجم الساعي لبعض المواد التي تعتمد على الحفظ، ومن بينها التربية الإسلامية أو التاريخ. كما اعتبر أن معظم الردود التي تلقاها انصبت على شخصه وإتقانه اللغة العربية والفرنسية، بدل مناقشة الأفكار التي طرحها خلال البرنامج.
ولم يتوقف الجدل منذ إعلان وزارة التربية الوطنية قبل أسابيع، تدريس تلاميذ السنة الثالثة ابتدائي الإنكليزية باعتبارها اللغة الأجنبية الأولى، على أن يبدأ تدريس الفرنسية ابتداء من السنة الرابعة، في خطوة اعتبرت امتدادا لمسار انطلق قبل أربع سنوات بإدراج الإنجليزية لأول مرة في المرحلة الابتدائية، قبل أن يتوسع لاحقا إلى الجامعة، حيث شرعت وزارة التعليم العالي في تعميم استعمالها في عدد من التخصصات العلمية والتكنولوجية.
ولا يرتبط الجدل حول الفرنسية في الجزائر بالاعتبارات البيداغوجية وحدها، بل يمتد إلى خلفيات تاريخية وسياسية وثقافية تعود إلى السنوات الأولى للاستقلال. فمنذ ستينيات القرن الماضي ظل المجتمع منقسما بين من يعتبر الفرنسية إرثا استعماريا ينبغي التخلص منه تدريجيا، ومن ينظر إليها باعتبارها أداة للمعرفة والانفتاح يمكن توظيفها دون أن تمثل تهديدا للهوية الوطنية. ومع كل إصلاح يمس المنظومة التعليمية، يعود هذا الانقسام إلى الواجهة بصيغ جديدة.
وزاد من حدة هذا النقاش خلال السنوات الأخيرة تزامن الإصلاحات اللغوية مع التوترات السياسية والدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، وهو ما جعل كثيرين يقرؤون تقليص حضور الفرنسية باعتباره يحمل، إلى جانب أبعاده التربوية، رسائل سياسية ورمزية مرتبطة باستكمال مسار فك الارتباط مع الإرث الاستعماري، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تعزيز حضور الإنكليزية في المدرسة والجامعة والإدارة.

