تحل في السابع من أغسطس من كل عام ذكرى رحيل الفنانة الكبيرة دلال عبد العزيز، إحدى أبرز نجمات الفن المصري والعربي، التي استطاعت على مدار أكثر من أربعة عقود أن تحجز لنفسها مكانة استثنائية في قلوب الجمهور، بفضل موهبتها الصادقة وحضورها الإنساني قبل الفني. لم تكن مجرد ممثلة بارعة، بل كانت نموذجا للفنانة المثقفة والزوجة الوفية والأم الداعمة، وظلت حتى أيامها الأخيرة رمزا للعطاء والالتزام
ولدت دلال عبد العزيز محمد في 17 يناير 1960 بقرية فرغان التابعة لمركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية، ونشأت داخل أسرة بسيطة غرست فيها قيم الالتزام والاجتهاد ، وشهدت طفولتها حدثا ترك أثرا بالغا في شخصيتها، إذ فقدت شقيقتها الكبرى وهي في سن الخامسة عشرة، وهو الفقد الذي لازمها طويلا وأسهم في تشكيل جانبها الإنساني.
اقرأ أيضا: النفط يواصل صعوده وسط مخاوف بشأن أزمة مضيق هرمز
ورثت حب التمثيل منذ الصغر، إذ كانت ترافق شقيقتها خلال الأنشطة المدرسية وتحفظ الأدوار المسرحية عن ظهر قلب، لتبدأ علاقتها بالفن مبكرا قبل أن تتحول الهواية إلى حلم تسعى لتحقيقه، وبالتوازي مع شغفها بالفن، أولت التعليم أهمية كبيرة، فحصلت على بكالوريوس الزراعة من جامعة الزقازيق، ثم بكالوريوس الإعلام من جامعة القاهرة، كما نالت ليسانس الآداب قسم اللغة الإنجليزية من جامعة القاهرة، إضافة إلى دبلومة العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، لتصبح واحدة من أكثر الفنانات المصريات حصولا على المؤهلات الجامعية.
انتقلت دلال عبد العزيز إلى القاهرة بحثا عن فرصة حقيقية في عالم التمثيل، حتى اكتشفها المخرج نور الدمرداش، ومنحها أول فرصة من خلال مسلسل “بنت الأيام” عام 1977 ، لتدخل الوسط الفني بأدوار صغيرة لفتت الأنظار إلى موهبتها، لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت عندما شاركت في مسرحية “أهلا يا دكتور” عام 1981 مع فرقة ثلاثي أضواء المسرح، وهناك بدأ الجمهور يتعرف إلى موهبتها الكوميدية، التي امتزجت بالعفوية وخفة الظل، لتتوالى بعدها أعمالها المسرحية والسينمائية والتليفزيونية.
قدمت خلال مشوارها الفني نحو 219 عملا تنوعت بين الكوميديا والدراما والرومانسية، واستطاعت أن تثبت قدرتها على تجسيد مختلف الشخصيات ، وكانت انطلاقتها القوية في السينما، من خلال أفلام “نهاية رجل تزوج (1983 ) ، يارب ولد (1984) ، بئر الخيانة (1987) ، طير في السما (1988 ) ، صراع الزوجات (1992) ، النوم في العسل (1996) ، أسرار البنات (2001) ، خير وبركة (2017) ، والبدلة (2018) ، وكان أخر ظهور سينمائي لها في فيلم “فرق خبرة” عام 2021 ، بينما عرض “فيلم تسليم أهالي” عام (2022 ) بعد رحيلها .
وحققت دلال عبد العزيز حضورا لافتا على شاشة الدراما، فشاركت في أعمال أصبحت علامات بارزة منها “ليالي الحلمية” بجزأيه الأول والثاني عامي 1987 و1989 ، حديث الصباح والمساء (2001) ، الهروب (2012) ، لهفة (2015) ، نيللي وشريهان (2016) ، سابع جار (2017) ، وملوك الجدعنة (2021) ، كما شاركت في المسرح بعدد من الأعمال المهمة، منها خدمة إنسانية (1979) ، هالة حبيبتي (1985) ، أخويا هايص وأنا لايص (1992) ، حب في التخشيبة (1994) ، و جوازة طلياني (1998) .
وارتبط اسم دلال عبد العزيز بالفنان الكبير سمير غانم، في واحدة من أشهر قصص الحب داخل الوسط الفني. بدأت علاقتهما خلال العمل في مسرحية “أهلا يا دكتور” ، حيث اعترفت لاحقا بأنها وقعت في حبه منذ اللقاءات الأولى، رغم فارق العمر بينهما الذي بلغ نحو عشرين عاما ، وكان سمير غانم معروفا بعزوفه عن فكرة الزواج، إلا أنها استطاعت أن تغيّر قناعته، ليتزوجا عام 1984 ، ويشكلا ثنائيا فنيا وأسريا ناجحا استمر حتى رحيلهما .
اقرأ أيضا: إيكونوميست: كي تعزز بدائلها.. على دول الخليج عقد اتفاق مع إيران بشأن مضيق هرمز
انجب الزوجان ابنتيهما الفنانتين دنيا وإيمي سمير غانم ، وفي 30 مارس 2014 أصبحت جدة بعد ميلاد حفيدتها كايلا، ابنة دنيا سمير غانم ، ورغم نجاحها الفني، كانت دلال عبد العزيز تؤكد دائما أن أسرتها تأتي في مقدمة أولوياتها. وقد انعكست شخصيتها الحقيقية على الأدوار التي قدمتها، خاصة شخصية الأم، التي جسدتها بإحساس صادق في العديد من الأعمال، حتى أصبحت من أكثر الفنانات إقناعا في هذا النوع من الشخصيات ، وعرفت بين زملائها بلقب “صاحبة الواجب” لحرصها الدائم على تقديم واجب العزاء ومساندة الجميع في الأزمات، كما كانت محبة للأعمال الخيرية والأعمال التطوعية .
وعلى مدار مشوارها الفني الطويل، حصدت دلال عبد العزيز العديد من الجوائز وشهادات التقدير من مهرجانات وجهات فنية وثقافية، كما كرمت في أكثر من مناسبة عن مجمل أعمالها التي أثرت بها السينما والمسرح والدراما التلفزيونية ، وكان من أبرز هذه التكريمات تكريمها الدورة الرابعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري عام 2021 ، بعد رحيلها وتسلمت ابنتاها دنيا وإيمي درع التكريم .
وفي 30 أبريل 2021 ، أصيبت دلال عبد العزيز وزوجها سمير غانم بفيروس كورونا، ونقلا إلى مستشفى لتلقي العلاج بعد تدهور حالتهما الصحية ، وفي 20 مايو 2021 توفي غانم عن عمر ناهز 84 عاما متأثرا بمضاعفات الفيروس، بينما قررت الأسرة والأطباء عدم إبلاغ دلال بخبر وفاته خوفا من تأثير الصدمة على حالتها الصحية، إذ كانت تعاني من مضاعفات شديدة، أبرزها تليف الرئتين، وظلت تتساءل باستمرار عن سبب غياب زوجها، وخلال الأسابيع الأخيرة من حياتها نقلت إلى أكثر من مستشفى لتلقي الرعاية الطبية، قبل أن تتدهور حالتها بشكل كبير ، حتى رحلت عن عالمنا في 7 أغسطس 2021 عن عمر ناهز 61 عاما، وأقيمت صلاة الجنازة عقب صلاة الظهر بمسجد المشير طنطاوي بالتجمع الخامس ، ثم ووريت الثرى في مدافن الأسرة بمنطقة الوفاء والأمل بمدينة نصر.
تبقى دلال عبد العزيز واحدة من الفنانات اللاتي استطعن أن يجمعن بين النجاح المهني والاحترام الإنساني، فلم يكن حضورها مقتصرا على الشاشة فقط، بل امتد إلى مواقفها النبيلة وعلاقاتها الطيبة مع الجميع، لتظل سيرتها حاضرة في وجدان جمهورها ومحبيها.
اقرأ أيضا: فتى قاصر يقتل جديه قبل إطلاق النار في مدرسة.. قتل طلابا ومعلمين
